أخبار وتقاريرمميز

موريتانيا والصين..   نحو علاقات أكثر ازدهارا.. (خاص بالشروق)

الشروق / للتواصل بين الموريتانيين والصينيين تاريخ طويل يمتد إلى حوالي 900 عام، حيث يعود أول ذكرللدولة المرابطية في المصادر التاريخية الصينية إلى عام 1178 في كتاب للجغرافي الصيني الكبير تشو قوفي (Zhou Qufei)،  أما حديثا فلانضمام  بلادنا وجمهورية منغوليا إلى الأمم المتحدة سنة 1961علاقة مباشرة بالموقف الصيني من المقايضة آنذاك بين الاتحاد السوفييتي، والمجموعة الإفريقية، حيث تخلت جمهورية الصين الوطنية عن موقفها المعارض بشدة لدخول منغوليا للأمم المتحدة،  ولم تستخدم حق النقض الذي تتمتع به كعضو دائم في مجلس الأمن، بالمقابل لم يستخدم الاتحاد السوفييتي ذات الحق ضد موريتانيا، وهذا ما قاد إلى علاقات مبكرة بين بلادنا وجمهورية الصين الوطنية.

 

 لكن أبو الأمة الموريتانية كان يعرف جيدا مدى تأثير الثورة الصينية على الشعب الصيني، وشعوب العالم،  وكان يدرك  معنى المثل الصيني  得民心者得天下وعقول وقلوب الشعب الصيني كانت ومازالت مع الصين الجديدة، التي أدرك الرئيس المؤسس أهمية وضرورة تطوير علاقات وثيقة معها،  وخلال زيارته الرسمية لغينيا نوفمبر 1963 إلتقى ولأول مرة  رسميا مع وفد منها، وبعد عدة جولات من المفاوضات الثنائية توجت في نهاية المطاف بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 19 يوليو 1965،  وقد لعب  أبو الأمة دورا بارزا في استعادة الصين الجديدة أو الشيوعية لعضويتها في الأمم المتحدة اثناء رئاسته لمنظمة الوحدة الإفريقية سنة 1971 بل إن فخامته  يعد أحد الرواد الأوائل، وحلقة وصل رئيسية  في إقامة العلاقات الصينية الإفريقية، والصينية العربية.

 

ومنذ 1978 ورغم  تعقيدات الساحة الدولية، والتغييرعدة مرات لهرم السلطة في  بلادنا إلى أن موقفها من الصين وقضاياها الجوهرية (الصين الواحدة  و شينجيانغ، وهونغ كونغ، وبحر الصين الجنوبي…) لم يتغير، ويشترك البلدان في مواقف متشابهة حول جل القضايا الدولية والإقليمية الرئيسية، ويتبادلان الدعم والتأييد والتنسيق والتعاون المكثفين حول الشؤون الدولية.

 

هذه الثقة السياسية المتبادلة بين الرعيل الأول المؤسس للعلاقات الدبلوماسية الراسخة، والصداقة التي توصف بأنها نموذجا لعلاقات الصداقة الصينية الإفريقية أفرزت العديد من  الاتفاقيات ذات المنفعة المتبادلة في شتى المجالات، وأكثر من 100 مشروعا بقيمة حوالي 1.5 مليار دولار أمريكي  غطت جميع المجالات الحيوية، وعمت أرجاء البلاد،  كما أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لبلادنا  بحجم تبادل تجاري سنوي يصل إلى أكثر 2 من  مليار دولار، ومن بين أكبر الدول المانحة،  و المستثمرة في بلادنا ، حيث بلغ حجم الاستثمارات المباشرة المتراكمة خلال السنوات الأخيرة حوالي 320 مليون دولار أمريكي.

 

لكن اليوم ومع التوجه العالمي إلى مبدأ اللاعولمة، وانتهاج الاقتصاد الانعزالي، وزيادة الحمائية التجارية، والقطبية التعددية العالمية في ظل التطورالتكنولوجي السريع، وانتشار جائحة كورونا نعقد أن العلاقات بين البلدين تحتاج إلى دفعة جديدة تُنشطها، وقنوات جديدة للحوار، ومنصات ونماذج جديدة للتعاون مبنية على أساس المنفعة المتبادلة، كما نعقد أنه من أجل الارتقاء بعلاقات البلدين إلى مستوى علاقات الشراكة الاستراتيجية، وتخطي مرحلة الفتورالذي تعكسه مؤشرات كثيرة يضيق الوقت عن ذكرها  يجب بذل المزيد من الجهود وخاصة في المجالات التالية 

 

 

أولا-: تفعيل مختلف قنوات التواصل، والتبادل بين البلدين، وضمان اتصال وثيق بين السلطات العليا للبلدين، وذلك من أجل ضمان زيادة الثقة السياسية المتبادلة التي تشكل بدون شك قوة دافعة 

لتطوير العلاقات الثنائية، ونعتقد أنه بعد 10 زيارات لرؤساء موريتانيا للصين، حيث زارها كل من :

  • المختار ولد داداه رحمه الله  3 مرات (1967 -1974 -1977)؛
  • محمد خونه ولد هيداله مرة واحدة (1980 )؛
  • معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع  مرتين (1986 -1993 )؛
  • اعل ولد محمد فال رحمه الله  مرة واحة  (2006)؛
  • محمد ولد عبد العزيز 3 مرات  ( 2011 –  2015 – 2018).

قد تكون هانك فرصة ثمينة لدعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة بلادنا لأولة مرة، هذه الزيارة إن كتب لها النجاح ستعطي دفعة جديدة للعلاقات، وتخلق فرصًا جديدة للتعاون المستقبلي بين البلدين.

 

ثانياً-:  تعزيز التفاهم والثقة المتبادلين، وتشجيع جميع القطاعات، وشعبي البلدين على تعميق  التفاهم المتبادل، ولا شك أن  التعارف المتبادل مفتاح التعاون الناجح.

 التعارف الذي سبق  وأن نوه سعادة السفير الصيني السابق لدى بلادنا إلى الحاجة إليه خلال كلمة له ألقاها  مارس 2017، حيث قال : ” يمكن القول بأنه بدون الحزب الشيوعي الصيني لا وجود لصين اليوم، ومن لا يعرف الحزب الشيوعي الصيني لا يعرف الصين، ولا يمكنه التعاون معها بشكل جيد “.   و نحن نعتقد أن هذا التعارف المنشود  لن يتحقق طالما هناك من لا يرى الصين إلا من خلال العيون الغربية، ولا يرى إلا الصين ما قبل 1978.  لن يتحقق هذا التعارف ما دمنا لا نواكب ما يحدث داخل الصين من تطورات على الصعيدين السياسي، والاقتصادي، فالصين ما بعد 2013  تختلف كليا عن الصين ما بعد 1949،  وتختلف جوهريا عن الصين ما بعد 1978، وهنا تبرز حاجتنا إلى المعرفة الدقيقة لسياسات الصين،  واقتصادها، واستراتيجياتها حتى يتسنى لنا بناء شراكة استراتيجية مبنية على  ضمان المصالح المتبادلة بين البلدين، وفي اعتقادي أن الكوادر الوطنية من خريجي وخريجات الجامعات الصينية  كان بإمكانِهِم أن يكونوا بوابة معرفة الصين، و جسر العبور إلى تجربتها الرائدة في مجال النهضة الشاملة.

 

ثالثا-: تعزيز تلاقي  الاستراتيجيات التنموية بين البلدين مع إعطاء دور بارز للجنة المشتركة للتعاون الثنائي بين البلدين، وتفعيل محاور التعاون المشترك للتكامل بين البلدين تنمويا مع التركيز على مجالات استخراج خامات الحديد و تطوير صناعة الصلب ، والغاز، والتنمية الحيوانية والزراعية، و البنية التحتية، والسياحة، و محاربة التصحر، والاقتصاد الرقمي،  بالإضافة إلى خلق نماذج جديدة للتعاون مثل زيادة الاستثمار المباشر، ومشاريع التعاون بين القطاعين العام والخاص، والبنية التحتية مقابل الموارد إلى غير ذلك من أنماط التعاون الجديدة خدمة للمصالح المشتركة للشعبين الصديقين، وكذلك ركوب قطار التنمية الصيني فائق السرعة، وذلك من خلال تفعيل الانضمام إلى مبادرة “الحزام والطريق”، و الانضمام إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، والمشاركة الفعالة في المؤتمرات والمعارض المنصات الجديدة للتعاون مع الصين، الذي يجب أن يبنى على معرفة دقيقة و تفاهم لأن التعاون بلا تفافهم يسيء إلى سمعت الوطن،  ويضيع الفرص عليه ، وهو تعاون على حسابنا لا لصالحنا.

 

 

رابعا-:  العمل معاً على بناء مجتمع المصير المشترك الإفريقي الصيني، والعربي الصيني،   والموقع الجغرافي الاستراتيجي لشمال غرب إفريقيا يعجل منها حلقة مهمة جدا  في أي استراتيجية  ذات بعد عالمي نظرا لقربها من أوربا، وأمريكا،  وكونها المنطقة البكر الغنية بثروات الطبيعة،  

 و جزء من الخزان البشري القادم  أفريقيا جنوب الصحراء،  وعلى الرغم من أن المنطقة بها عدد كبير من الدول ، إلا أنها تفتقر إلى الدولة الأساسية التي تعمل كمحرك إقليمي،  وموريتانيا تقع على مفترق طرق المنطقة،  وقد يؤدي تعزيز التعاون بين البلدين إلى خلق منصة اقتصادية تربط بين إفريقيا وأوروبا والقارة الأمريكية، وهذا ما سيؤدي إلى إحياء التجارة عبر الصحراء لتحقيق الازدهار الإقليمي المشترك، وإعادة إحياء الدور التاريخي التجاري لبلادنا كهمزة وصل بين شمال إفريقيا وغربها، وبالتالي تحويلها إلى جسر اقتصاي من جسور قطار طريق الحرير الفائق السرعة ؛ مما قد يكسبها المزيد من المزايا الاقتصادية، والاستثمارية، والدبلوماسية في شبه المنطقة، بل أكثر من ذلك قد يشكل فرصة لتنويع مصادر اقتصادنا الوطني، وبالتالي كسر معادلة مستقبلنا مرهون بأسعار المادة الخام. 

 

 

خلال ال 200 عام الماضية استحوذت الدول الغربية على المركز الاقتصادي والثقافي العالمي، وكذلك موقع الدولة العظمى الأولى  لكن العالم الآن يواجه تحولًا كبيرًا، حيث يشهد حاليا تحول مركز الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق،  كما أن مركز الدولة العظمى الأولى على الأقل  اقتصاديا سيئول لأول مرة إلى دولة غير غربية  ” هي الصين “، و من هنا تكمن أهمية معرفة الاتجاه العام للوضع العالمي، الذي هو بدون شك ” التغيرات العميقة” على أكثر من صعيد.

هذه التحولات والتغيرات يجب اعتبارها بمثابة فرص تنموية لبلادنا، و الأزمة  الصحية العالمية الراهنة برهنت على أن الصين ليست أكبر شريك تجاري لبلادنا فحسب بل وأفضل صديق وقت الضيق، وتطوير الشراكة  الاستراتيجية الشاملة معها نتيجة طبيعية، وثمرة لأكثر من نصف قرن من العلاقات الدبلوماسية الصامدة صمود جبل تشين لينغ وسط الصين في ظل عالم متغير تغير تضاريس الكثبان الرملية في صحرائنا الشاسعة.

خاص للشروق 

د. يربان الحسين الخراشي 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى