فم لكليتة.. المزارعون يقولون «لا» وشركة السكر تكتب «نعم».. من يزور الحقيقة أمام الدولة والشركاء؟

أخبار كوركول (أمبود) – ما تضمنه «الملخص غير التقني» لدراسة الأثر البيئي والاجتماعي لمشروع المجمع الزراعي الصناعي لإنتاج السكر بفم لكليتة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد اختلاف في قراءة موقف السكان.. فالوثيقة تذهب إلى القول إن المشاورة العمومية أظهرت «تأييدا واسعا للمشروع من طرف السكان»، بينما الوقائع التي سبقت إعدادها، والمواقف المعلنة والموثقة بالصوت والصورة، تقول شيئا مختلفا تماما.
والقضية هنا لا تحتاج إلى تأويل، لأن موقف المزارعين مر بعدة محطات علنية كان فيها واضحا وثابتا:
نحن لسنا ضد مشروع السكر، لكننا نرفض إقامة المجمع الصناعي على الأراضي الزراعية التي نستغلها بموجب اتفاقيات موثقة مع الدولة تعود إلى سنة 1981.
هذا الموقف لم يظهر اليوم..
فخلال زيارة بعثة وزارية رفيعة المستوى إلى فم لكليتة، ضمت من بين أعضائها وزير الزراعة والمندوب العام للتآزر السابقين، إلى جانب والي كوركول ومسؤولين آخرين، تحدث ممثلو المزارعين أمام البعثة بصورة مباشرة، وكان موقفهم صريحا: رفض إقامة المجمع الصناعي للسكر على أراضيهم.
وكنت شخصيا حاضرا في ذلك الاجتماع، وتحدثت فيه بصفتي رئيس تعاونية زراعية وأحد أبناء الملاك التقليديين للأرض، فوالدي رحمه الله أحد الموقعين الستة على وثيقة سنة 1981 التي تنظم العلاقة المتعلقة باستغلال هذه الأراضي.
وكان حديثي، كما حديث ممثلي المزارعين، واضحا لا يحتمل التأويل:
لسنا ضد مشروع السكر ولا ضد الاستثمار، وإنما نرفض إقامة المجمع الصناعي على الأراضي التي يستغلها المزارعون منذ عقود.
ولم يكن ذلك حديث مجالس مغلقة يمكن الاختلاف حول مضمونه أو إعادة تفسيره لاحقا، بل موقفا معلنا أمام مسؤولين في الدولة وموثقا بالصوت والصورة.
بعد ذلك أوفدت شركة السكر ومشتقاته ممثلا عن مكتب دراسات إلى فم لكليتة في إطار إعداد دراسة جدوى للمشروع.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر حلقات هذا الملف إثارة للأسئلة.
فممثل مكتب الدراسات لم يكلف نفسه لقاء عمدة بلدية فم لكليتة، ولم يجتمع بأي رئيس من رؤساء التعاونيات الزراعية المعنية مباشرة بالأراضي موضوع المشروع.
وأقول ذلك عن معرفة مباشرة..
بصفتي رئيس تعاونية زراعية، لم ألتق هذا الشخص مطلقا، ولم يطلب مقابلتي أو الاستماع إلى موقفي، كما لم يلتق، حسب ما لدينا من معلومات، بأي رئيس تعاونية زراعية معنية.
ونضع هذه المعلومة أمام شركة السكر ومكتب الدراسات بكل وضوح:
إذا كان معد دراسة الجدوى قد التقى رئيسا واحدا من رؤساء التعاونيات الزراعية في فم لكليتة، فلتذكر الشركة اسمه وتاريخ اللقاء، ولتنشر محضره أو الإفادة التي أخذت منه.
بدلا من ذلك، اكتفى هذا الشخص بلقاء أشخاص محسوبين على شركة السكر ولا يمثلون المزارعين ولا التعاونيات المعنية.. ولدينا معطيات موثقة بشأن بعض هؤلاء والأسباب التي جعلتهم يدافعون عن توجه الشركة، ويمكن كشف الأسماء والعلاقات والعقود والوقائع متى تطلب الأمر ذلك.
وهنا يطرح سؤال لا يمكن تجاوزه:
كيف تعد دراسة جدوى لمشروع سيغير مستقبل منطقة زراعية كاملة، دون الاستماع إلى رؤساء التعاونيات الزراعية وأصحاب الحقوق الذين سيقام المشروع على الأراضي التي يستغلونها؟
ثم جاءت محطة أخرى أكثر وضوحا..
نظمت الشركة يوما بيئيا في فم لكليتة، أشرف عليه حاكم مقاطعة أمبود ومدير شركة السكر نفسه، وهناك وجد المشروع نفسه أمام أصحاب الأرض والمزارعين بصورة مباشرة.
كنت حاضرا أيضا في ذلك اليوم، وتحدثت أمام الحضور، وعرضت بالتفصيل جملة من مكامن الخلل التي رأيناها في الدراسة البيئية، وبينت الاعتراضات المتعلقة بالأرض والمياه ومستقبل الزراعة وانعكاسات المشروع على المزارعين.
ولم أكن وحدي..
فبحسب ما شهدناه في الاجتماع، أعربت الغالبية الساحقة من الحاضرين، التي يمكن تقديرها بنحو 98 في المائة، عن رفضها إقامة المجمع الصناعي على أراضيها.
ولم يقل هؤلاء إنهم يرفضون صناعة السكر أو الاستثمار أو التنمية، بل كرروا الموقف نفسه:
المشروع مرحب به، ولكن ليس على الأراضي الزراعية التي يستغلونها منذ عقود في إطار الاتفاق المبرم مع الدولة سنة 1981.
كما أثار المشاركون بصورة واضحة ملاحظاتهم على دراسة الأثر البيئي، ونبهوا إلى ما اعتبروه ثغرات جوهرية في تقدير انعكاسات المشروع على المياه والزراعة والبيئة ومستقبل النشاط الزراعي في المنطقة.
ثم نصل اليوم إلى هذه الوثيقة لنقرأ أن مشاورة 4 مايو 2026 «أظهرت تأييدا واسعا للمشروع من طرف السكان».
أي تأييد واسع؟
ومن هم هؤلاء السكان؟
وأين ذهبت أصوات المزارعين الذين تحدثوا أمام مدير الشركة وحاكم المقاطعة؟
وأين ذهبت مداخلات رؤساء التعاونيات وأصحاب الحقوق؟
وكيف تحول رفض معلن أمام بعثة وزارية رفيعة المستوى، ثم رفض أعيد التعبير عنه خلال يوم بيئي رسمي بحضور السلطات ومدير الشركة نفسه، إلى «تأييد واسع» بمجرد انتقال الوقائع إلى صفحات تقرير؟
هذه ليست مسألة صياغة لغوية رديئة، ولا اختلافا بسيطا في تقدير نسب المؤيدين والمعارضين..
نحن أمام تناقض بين وقائع معلنة وموثقة وبين خلاصة تقدم إلى الدولة والشركاء والمؤسسات الممولة باعتبارها تعبيرا عن موقف السكان.
والأكثر إثارة للاستغراب أن التقرير نفسه يعترف بأن المشروع سيؤدي إلى فقدان الوصول إلى الأراضي ونزاعات وتشغيل يد عاملة وافدة، ويضع ضمن التدابير المقترحة «خطة عمل لإعادة التوطين» و«تعويض الملكية».
أي أن الوثيقة تقر بنفسها بأن هناك أصحاب أرض ومصالح سيتأثرون بالمشروع، ثم تقفز إلى الحديث عن «تأييد واسع» دون أن تبين من أيد، ومن رفض، وما صفة كل طرف.
فكيف جرى قياس هذا التأييد؟
هل أجري إحصاء للمزارعين؟
كم عدد رؤساء التعاونيات الذين تمت مقابلتهم؟
ما أسماؤهم؟
كم مزارعا وافق صراحة على إقامة المجمع فوق الأراضي التي يستغلها؟
أين محاضر موافقتهم؟
وأين توقيعاتهم؟
ومن منح معدي الدراسة الحق في اختزال موقف مجتمع زراعي كامل في عبارة «تأييد واسع»؟
هذه أسئلة بسيطة، والإجابة عنها أبسط إذا كانت الوثيقة تعكس فعلا موقف السكان.
أما إذا كانت العينة التي بني عليها هذا «التأييد الواسع» تضم أشخاصا لا يمثلون المزارعين أو تربط بعضهم بالشركة علاقات ومصالح، فإننا لا نكون أمام خطأ في التقدير، بل أمام مسألة تستوجب من الدولة والشركاء والممولين مراجعة الطريقة التي صنعت بها هذه الخلاصة والتحقق ممن تحدث باسم من..
ثم هناك جانب بالغ الخطورة لا يجوز اختزاله في نزاع على قطعة أرض..
فسد فم لكليتة ومنظومته المائية ليسا مجرد مصدر مياه لمشروع صناعي..
ووفقا للوثائق والمعطيات المتعلقة بالمنظومة، ترتبط مياه فم لكليتة بتأمين مياه الشرب لمئات الآلاف من السكان في مناطق من ولايات كوركول ولبراكنه ولعصابة، فضلا عن دورها الأساسي في الزراعة وحياة التجمعات المحلية.
ولهذا فإن أي مشروع زراعي صناعي بهذا الحجم، وبما يتطلبه من أراض ومياه، يجب أن يخضع لأقصى درجات التدقيق والشفافية، لا أن تمرر بشأنه خلاصات محل نزاع وكأنها حقائق محسومة.
لكن السؤال الذي أصبح يفرض نفسه اليوم هو:
لماذا كل هذا الإصرار من مسؤولي شركة السكر؟
لماذا الإصرار على إظهار المزارعين وكأنهم مؤيدون لإقامة المجمع على أراضيهم رغم المواقف التي عبروا عنها علنا؟
لماذا تقدم للدولة والشركاء صورة تختلف عما قاله أصحاب الأرض أمام المسؤولين وأمام مدير الشركة نفسه؟
ولماذا يحتاج مشروع يفترض أنه مشروع تنموي يخدم السكان إلى كل هذه المحاولات للحديث باسم السكان بدلا من تركهم يتحدثون بأنفسهم؟
المزارعون لا يحتاجون إلى مسؤولي شركة السكر كي يحددوا لهم أين تكمن مصالحهم..
هم يعرفون أرضهم، ويعرفون مصدر رزقهم، ويعرفون قيمة المياه، ويعرفون ماذا يعني بالنسبة إليهم فقدان الأراضي التي استغلوها لعقود.
فهل أصبح مسؤولو الشركة أحرص على مصالح مزارعي فم لكليتة من المزارعين أنفسهم؟
وإذا كان السكان يؤيدون المشروع فعلا، فلماذا لا تنشر الشركة قوائم المزارعين المؤيدين؟
لماذا لا تنشر أسماء رؤساء التعاونيات الذين وافقوا على إقامة المجمع في الأراضي الزراعية؟
ولماذا لا تنشر محاضر المشاورات كاملة؟
ولماذا لم يلتق معد دراسة الجدوى، حسب الوقائع التي نتحدى الشركة أن تثبت عكسها، بعمدة البلدية ولا برئيس واحد من رؤساء التعاونيات الزراعية، ثم انتهت الدراسات إلى الحديث باسم «السكان»؟
وأي مشاورة هذه التي يمكن أن تتجاوز أصحاب الأرض ثم تتحدث باسمهم؟
الأخطر من ذلك كله أن هذه الخلاصات لا تبقى داخل مكاتب الشركة، بل تقدم إلى الدولة الموريتانية ووزارة الزراعة والشركاء والمؤسسات الدولية بوصفها معطيات يفترض أن تكون مهنية ومحايدة.
وهنا يصبح الأمر متعلقا بمصداقية الدولة أمام شركائها أيضا..
فإذا كان موقف المزارعين الحقيقي يتم استبداله في التقارير بصورة أخرى، وإذا كانت أصوات الرافضين تختفي بينما تظهر بدلا منها عبارة «تأييد واسع»، فإن من حق الدولة ومن حق الشركاء أن يسألوا: ما الذي يجري في فم لكليتة؟
نحن لا نطلق اتهامات بلا سند.. لدينا وقائع موثقة بالصوت والصورة، ولدينا أسماء ووثائق، ويمكن تتبع خيوط هذا الملف من بدايته..
من الاجتماع مع البعثة الوزارية، إلى الطريقة التي أعدت بها دراسة الجدوى، إلى الأشخاص الذين جرى الاستماع إليهم، وصولا إلى اليوم البيئي ومواقف الحاضرين، ثم مقارنة كل ذلك بما كتب لاحقا في التقارير.
والتحقق لا يحتاج إلى لجنة تبحث أشهرا..
لتبدأ الدولة فقط بسؤال عمدة فم لكليتة ورؤساء التعاونيات الزراعية وأصحاب الحقوق والمزارعين المسجلين..
هل وافقتم على إقامة المجمع الصناعي للسكر على الأراضي التي تستغلونها؟
ثم لتقارن الإجابات بما كتبته الشركة في تقاريرها..
عندها ستظهر الحقيقة دون حاجة إلى سجال..
أما أن يرفض المزارعون أمام المسؤولين، ويرفضوا أمام مدير الشركة، ويشرحوا اعتراضاتهم بالصوت والصورة، ثم يستيقظوا ليجدوا أنفسهم في وثيقة أخرى ضمن «تأييد واسع»، فهنا يصبح السؤال مشروعا:
أي مسرحية هذه؟ ولماذا كل هذا الإصرار؟
ما الذي يدفع مسؤولي شركة يفترض أنها تنفذ مشروعا تنمويا للدولة إلى الإصرار على تقديم موقف المزارعين والساكنة على غير ما عبروا عنه؟
ومن يراقب حجم هذا الإصرار وتكرار المحاولات، قد يجد نفسه أمام سؤال لا يمكن تجاهله:
هل يتعلق الأمر فعلا بمجرد الحرص على إنجاز المشروع، أم أن وراء هذا الإصرار أسبابا أخرى؟
فالمشروع العام لا يحتاج إلى الالتفاف على أصوات الناس كي يثبت جدواه، ولا يحتاج إلى أن يقول للمزارع: أنت مؤيد، بعدما قال المزارع بنفسه: أنا أرفض إقامة المشروع على أرضي.
إن في الأمر ريبة..
وما نطالب به بسيط:
تحقيق مستقل، وشفافية كاملة، ونشر أسماء وصفات من استندت إليهم الدراسات، وتمكين الدولة والشركاء من سماع أصحاب الأرض مباشرة.
فالحقيقة في فم لكليتة ليست سرا، وهي موثقة بالأسماء والتواريخ والصوت والصورة.
ومن يريد معرفة موقف المزارعين، فليسأل المزارعين.
عالي أحمد سالم
رئيس تعاونية لمبيدعات



