الولاية الثالثة تعيد رسم المشهد السياسي في موريتانيا وتضع الحوار الوطني أمام اختبار الدستور

الشروق نت / تدخل الساحة السياسية الموريتانية مرحلة جديدة من التجاذب مع تصاعد الدعوات داخل الأغلبية الحاكمة إلى استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ غزواني في السلطة بعد انتهاء ولايته الحالية سنة 2029.
وفي المقابل تتحرك أحزاب المعارضة لرفض أي مسعى يفضي إلى ولاية رئاسية ثالثة.
ويعيد هذا التطور إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية الموريتانية ويضع الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس أمام اختبار جديد قد يحدد مساره ومآلاته.
وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه القوى السياسية قد قطعت شوطا في تجاوز الخلاف الذي عطل التحضيرات للحوار خلال الأشهر الماضية.
فقد جرى التوافق على إبعاد مسألة المأموريات الرئاسية عن الوثيقة المرجعية للحوار تفاديا لتحويله إلى ساحة مباشرة للصراع حول مستقبل الرئاسة.
غير أن عودة الدعوات المطالبة بولاية ثالثة إلى واجهة المشهد أعادت الملف نفسه إلى قلب النقاش السياسي وأثارت مخاوف المعارضة من أن يكون الحوار مهددا بالتعثر من جديد.
وفي 15 سبتمبر الجاري عقد أكثر من خمسة عشر حزبا من أحزاب المعارضة اجتماعا عاما لتنسيق موقف مشترك من الدعوات المتصاعدة إلى استمرار الرئيس غزواني في الحكم بعد انتهاء ولايته الحالية.
وتنضوي هذه الأحزاب ضمن قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية الذي يضم عددا من القوى السياسية المعارضة.
وناقش الاجتماع إلى جانب ملف المأمورية الثالثة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة والتحضيرات الجارية للحوار الوطني الذي تأخر إطلاقه أكثر من مرة.
ويعكس هذا الاجتماع انتقال المعارضة من مواقف متفرقة إلى محاولة بناء موقف جماعي من قضية بدأت تفرض نفسها بقوة على المشهد السياسي.
ويأتي التحرك المعارض في وقت أخذت فيه حملة المطالبة باستمرار غزواني في الحكم منحى أكثر وضوحا واتساعا.
فقد نشط منتخبون محليون وقيادات في حزب الإنصاف الحاكم وشخصيات سياسية في مناطق مختلفة من البلاد في الترويج لهذه الدعوات.
ورفعت خلال هذه التحركات أصوات تشيد بأداء الرئيس وتدعو إلى بقائه في السلطة بعد انتهاء ولايته الثانية.
وفي 14 سبتمبر ناقش المكتب السياسي لحزب الإنصاف المطالب التي يرفعها عدد من أعضائه وأنصاره بشأن استمرار غزواني.
وطلب من اللجنة الدائمة للحزب العمل على الإصلاحات التي من شأنها تحقيق هذا الهدف.
وبعد أيام أعلن عضو المكتب السياسي للحزب لمام ولد عبداو أن المكتب سيوافق على مطلب الولاية الثالثة.
وأضفى هذا الموقف مزيدا من الزخم على النقاش المتصاعد داخل الأغلبية.
غير أن الانتقال من المطالبة السياسية إلى إمكانية الترشح لولاية ثالثة يصطدم مباشرة بالإطار الدستوري القائم في البلاد.
وينص الدستور الموريتاني على أن مدة الولاية الرئاسية خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
وقد كرس هذا المبدأ في التعديل الدستوري الذي أقر عام 2006.
كما تتضمن النصوص الدستورية أحكاما تحول دون مراجعة بعض المبادئ المتعلقة بعدد الولايات الرئاسية.
وهو ما يجعل أي مسعى لتغيير القاعدة الحالية قضية تتجاوز مجرد تعديل قانوني عادي إلى نقاش دستوري وقانوني أعمق.
وفي هذا السياق يرى أستاذ القانون ونائب رئيس اتحاد قوى التقدم عبدول غورمو لو أن إدخال تعديل دستوري يسمح بولاية ثالثة غير ممكن من الناحية القانونية.
ويستند هذا الموقف إلى طبيعة النصوص التي تحكم مسألة عدد الولايات الرئاسية وحدود مراجعتها.
ويشكل هذا الرأي أحد أوجه الاعتراض القانوني الذي تستند إليه المعارضة في رفضها للدعوات المطالبة بتغيير قواعد التداول على السلطة.
وتزداد حساسية المسألة بسبب ارتباطها المباشر بمسار الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ غزواني في نوفمبر 2024.
ويهدف هذا الحوار إلى مناقشة جملة من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتعزيز النظام الديمقراطي والحكامة والوحدة الوطنية.
ويعد الحوار سادس مسار من هذا النوع تشهده موريتانيا منذ عام 2004.
غير أن التحضيرات له اصطدمت في مارس 2026 بخلاف حاد حول مسألة المأموريات.
ودفع الخلاف منسق الحوار موسى فال إلى تعليق الاجتماعات التحضيرية..
وظل الملف عالقا عدة أشهر قبل أن يتم التوصل في يوليو إلى تسوية سمحت باستئناف التحضيرات..
وتمثلت التسوية أساسا في حذف العبارات المتعلقة بالمدد والولايات الرئاسية من الوثيقة المرجعية للحوار..
وأتاح ذلك للأطراف العودة إلى الطاولة وتجاوز العقبة التي كانت قد جمدت المسار.
لكن عودة الحديث عن ولاية ثالثة أعادت إلى الواجهة السبب نفسه الذي كان قد عرقل الحوار.
وأصبح مستقبل المسار السياسي مرة أخرى متصلا بدرجة كبيرة بما ستؤول إليه معركة المأمورية.
وفي 16 سبتمبر أعلن تجمع الديمقراطيين التقدميين تعليق مشاركته في العملية التحضيرية للحوار.
واعتبر التجمع أن الحملة المطالبة بولاية ثالثة تمثل دعوة علنية إلى تجاوز الدستور.
وسبق لحزب موريتانيا إلى الأمام أن أعلن في أغسطس ابتعاده عن مسار الحوار.
وكان موقفه مرتبطا بقضية أخرى هي توقيف الجنرال المتقاعد لبات ولد معيوف الذي يشغل عضوية مكتبه التنفيذي..
وتقول قوى معارضة إن استمرار حملة الولاية الثالثة إلى جانب ما تعتبره قيودا على الحريات من شأنه أن يقوض البيئة السياسية اللازمة لإنجاح الحوار..
كما تطالب بالإفراج عمن تصفهم بالسجناء السياسيين وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة لحوار ترى أنه لا يمكن أن ينجح في ظل استمرار الخلاف حول قواعد التداول على السلطة.
وفي خضم هذا السجال سبق للرئيس محمد ولد الشيخ غزواني أن تحدث عن القضية بصورة مباشرة..
ففي مؤتمر صحفي مع وسائل الإعلام الوطنية خلال يوليو الماضي أشار إلى أن أمامه أكثر من ثلاث سنوات متبقية من ولايته..
وقال إنه لن يدعم أي أمر يتعارض مع الدستور أو لا يحظى بإرادة الشعب..
ويشكل هذا التصريح أبرز موقف معلن للرئيس بشأن الجدل المتعلق بالولاية الثالثة..
غير أن تصريحات حكومية لاحقة أبقت النقاش مفتوحا..
فقد قال وزير الثقافة والناطق باسم الحكومة الحسين ولد مدو في يونيو الماضي إن الرئيس لن يغلق الباب أمام ولاية ثالثة إذا أفضى الحوار الوطني إلى إقرارها.
وبينما تتباين التصريحات داخل الأغلبية دخلت شخصيات سياسية أخرى على خط الجدل.
فقد وصف رئيس جبهة المواطنة والعدالة محمد جميل ولد منصور المبادرات المطالبة بولاية ثالثة بأنها مجرد ضجيج واستفزاز.
في المقابل قال النائب والمرشح الرئاسي السابق بيرام ولد الداه ولد اعبيد إن الرئيس يواجه في هذه القضية الدستور والقسم الذي أداه وضميره.
أما داخل الأغلبية فقال النائب يوسف سيلا إنه يدعم الرئيس غزواني لكنه لم يسمعه شخصيا يتحدث عن ولاية ثالثة.
واعتبر أن الذين يثيرون هذا النقاش داخل الأغلبية أحرار في مواقفهم وأن المعارضة بدورها تستطيع مواجهة هذه الدعوات بما تراه مناسبا من حجج سياسية.
ويأتي كل ذلك في ظل واقع اقتصادي واجتماعي يفرض نفسه على أجندة الحوار.
ويشكل ارتفاع تكاليف المعيشة أحد أبرز الملفات التي تضغط على الحكومة وتلقي بظلالها على المشهد السياسي.
وبحسب بيانات الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي والاقتصادي بلغ التضخم السنوي 8.9 بالمائة في أغسطس 2026.
كما شهدت أسعار المستهلكين ارتفاعا مقارنة بالشهر السابق.
ويضيف ذلك إلى القضايا السياسية ملفات اقتصادية واجتماعية ملحة يفترض أن تجد طريقها إلى طاولة الحوار.
ولا ينفصل الجدل السياسي عن صورة موريتانيا الخارجية واستقرار مؤسساتها في مرحلة تشهد فيها البلاد مشاريع اقتصادية استراتيجية.
ومن أبرز هذه المشاريع مشروع حقل الغاز السلحفاة الكبرى آحميم المشترك بين موريتانيا والسنغال.
كما تواصل البلاد الاعتماد بدرجة كبيرة على قطاعات التعدين والصيد.
وفي هذا السياق يكتسب الاستقرار السياسي والمؤسسي أهمية خاصة.
وتراقب الأوساط الاقتصادية والشركاء الدوليون مسار البلاد السياسي ومدى قدرتها على الحفاظ على قواعدها الدستورية واستمرارية مؤسساتها.
وكان غزواني قد وصل إلى السلطة سنة 2019 في أول انتقال سلمي للسلطة بين رئيسين منتخبين منذ استقلال موريتانيا عام 1960.
وأعيد انتخابه في يونيو 2024 بنسبة 56.12 بالمائة من الأصوات.
ومع اقتراب منتصف الولاية الثانية بدأ النقاش حول ما بعد 2029 يطغى تدريجيا على المشهد السياسي.
ويحدث ذلك رغم أن الرئيس نفسه سبق أن أكد رفضه دعم ما يخالف الدستور.
ومن المنتظر أن يكون الحوار الوطني أحد أبرز الاستحقاقات السياسية خلال الأشهر المقبلة.
وكان الرئيس قد دعا إلى إطلاقه وإنهائه قبل نهاية العام وسط توقعات ببدء جلساته في أكتوبر أو نوفمبر.
غير أن عودة قضية المأمورية الثالثة إلى الواجهة تجعل نجاح هذا المسار مرهونا بقدرة الأطراف على إدارة الخلاف حول مستقبل السلطة دون تحويل الحوار إلى مواجهة مباشرة بشأن تعديل قواعد التداول على الرئاسة.
وفي هذا السياق تترقب الساحة السياسية موقف اللجنة الدائمة لحزب الإنصاف من الإصلاحات التي طلب منها العمل عليها.
كما تترقب مصير الأحزاب التي أعلنت تعليق مشاركتها في الحوار وما إذا كانت ستعود إلى الطاولة أم ستواصل مقاطعة المسار احتجاجا على استمرار حملة الولاية الثالثة.
وهكذا تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة سياسية دقيقة..
أغلبية يتنامى داخلها حراك يدعو إلى استمرار الرئيس بعد 2029..
ومعارضة ترى في ذلك تحديا مباشرا للقواعد الدستورية.
وحوار وطني يحاول استعادة زخمه بعد أن كان ملف المأموريات نفسه سببا في تعطيله..
وبين هذه المسارات المتقاطعة تبدو قضية الولاية الثالثة مرشحة للبقاء في صدارة المشهد السياسي حتى وإن لم تكن مدرجة رسميا على جدول أعمال الحوار.
ويبقى مستقبل المسار التوافقي مرتبطا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على الفصل بين القضايا المطروحة للنقاش وبين السباق المبكر حول شكل السلطة ومستقبل الرئاسة بعد انتهاء الولاية الحالية في 2029.
#البو أحمد سالم



