نصف قرن من الصمود.. التجربة الصحراوية بين ترسيخ الهوية وتكريس حق تقرير المصير

الشروق نت / في الذكرى الخمسين لإعلان قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، تتأكد ملامح تجربة سياسية واجتماعية استطاعت أن تفرض حضورها ضمن السياقات المعاصرة بوصفها إحدى أبرز نماذج الصمود التاريخي للشعوب الساعية إلى تقرير مصيرها.
فاستمرارية هذا المشروع الوطني على مدى خمسة عقود، في ظل بيئة إقليمية معقدة وتحولات دولية متسارعة، تمثل في حد ذاتها مؤشرًا دالًا على عمق التجذر السياسي، وصلابة البنية المجتمعية التي احتضنته ووفرت له شروط الاستمرارية.
وعليه، فإن الذكرى الخمسين لإعلان قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، التي احتفلت بها الجمهورية الصحراوية خلال الأسابيع المنصرمة، لا تمثل مجرد استعادة رمزية لحدث تاريخي، بل تجسد محطة تقييم عميق لمسار طويل من الصمود المؤسسي والتماسك المجتمعي، وتعكس في جوهرها تراكمًا نوعيًا في بناء مقومات الدولة وترسيخ الوعي الجماعي بحق تقرير المصير بوصفه خيارًا استراتيجيًا ثابتًا ومؤطرًا بشرعية قانونية دولية.
لقد أثبتت التجربة الصحراوية قدرة واضحة على بناء كيان مؤسسي قائم، رغم الإكراهات الموضوعية المرتبطة بواقع اللجوء، حيث تم إرساء هياكل إدارية وتنظيمية حافظت على انتظام الحياة العامة، وأدارت الشأن المجتمعي بكفاءة لافتة، بما يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم الذاتي.
ويعزز هذا المعطى ما تحقق في مجالات التعليم والتكوين، حيث أُنتجت نخب علمية ومهنية أسهمت في تطوير الأداء المؤسسي، وهو ما يمثل ركيزة أساسية لأي مشروع سيادي طويل الأمد قائم على الاستثمار في الإنسان.
وعلى المستوى الخارجي، يبرز الحضور الدبلوماسي للجمهورية الصحراوية كأحد أهم مؤشرات ترسيخ المشروعية السياسية، من خلال الاعتراف بها من قبل عدد من الدول، وعضويتها الكاملة في الاتحاد الإفريقي، وهو ما يعكس نجاحًا في توظيف الأدوات الدبلوماسية ضمن إطار قانوني يستند إلى مبادئ تصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها، كما كرسته قرارات الأمم المتحدة والمواثيق الدولية ذات الصلة.
كما أن استمرارية التمسك بهذا الحق، رغم تعقّد المسارات السياسية، تمثل دليلًا إضافيًا على رسوخ الوعي الوطني لدى المجتمع الصحراوي، الذي حافظ على وحدة موقفه وثبات خياراته الاستراتيجية.
وقد تجسد ذلك في قدرة مؤسساته على الاستمرار في أداء وظائفها، وفي المحافظة على التماسك الاجتماعي، وفي إنتاج خطاب سياسي متزن يجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالثوابت.
وفي البعد الثقافي، تبرز الهوية الصحراوية كعنصر مركزي في معادلة الصمود، حيث تم الحفاظ على الموروث الحساني بوصفه حاضنًا للذاكرة الجماعية، ومكوّنًا أساسيًا في تعزيز الانتماء.
لقد تحولت الثقافة، في هذا السياق، إلى ركيزة داعمة للاستمرارية، وإلى أداة فاعلة في تثبيت الوعي الوطني ونقل القيم المؤسسة عبر الأجيال، بما يضمن استدامة المشروع الوطني على أسس راسخة.
إن ما يميز التجربة الصحراوية، من منظور تحليلي، هو قدرتها على تحويل التحديات البنيوية إلى عناصر قوة، من خلال إدارة فعالة للموارد المتاحة، وتعبئة جماعية واعية، ورؤية استراتيجية واضحة المعالم. كما تعكس هذه التجربة تلاقي البعدين السياسي والاجتماعي في إنتاج نموذج متماسك، استطاع أن يحافظ على حضوره وأن يواصل تطوره في سياق بالغ التعقيد، دون التفريط في جوهره القائم على الحرية والسيادة.
إن هذا المسار المتراكم من الإنجاز، بما يحمله من مؤشرات على الاستمرارية والقدرة على التكيّف، يمنح التجربة الصحراوية بعدًا نوعيًا في فهم ديناميات حركات التحرر الحديثة، ويؤكد أن الإرادة الجماعية، حين تتأسس على وعي سياسي وتنظيم مؤسسي، قادرة على فرض ذاتها كحقيقة قائمة في المشهد الدولي.
الصحفي عالي أحمد سالم



