مالي بعد هجمات أبريل.. تحولات الصراع واختبار الدولة

الشروق نت / لم تكن الهجمات التي شهدتها مالي منذ فجر 25 أبريل 2026 حدثاً أمنياً معزولاً، بل شكّلت مؤشراً على تحوّل نوعي في طبيعة الصراع داخل البلاد، سواء من حيث نطاقه الجغرافي أو طبيعة الفاعلين المنخرطين فيه أو مستوى التنسيق العملياتي بينهم.
فقد امتدت العمليات خلال فترة زمنية قصيرة من محيط العاصمة باماكو، حيث استُهدفت منشآت سيادية وعسكرية حساسة، إلى الشمال في كيدال وغاو، مروراً بمناطق الوسط، في نمط يعكس قدرة على العمل المتزامن عبر مسارح متعددة، وينقل المواجهة من حالة الاستنزاف المتقطع إلى عمليات مركّبة ذات بعد استراتيجي.
هذا التحول لا يقتصر على البعد الميداني، بل يحمل دلالة سياسية واضحة.
فاستهداف محيط البنية العسكرية والأمنية في العاصمة يعني أن الفاعلين المسلحين لم يعودوا يكتفون بإضعاف الدولة في الأطراف، بل باتوا يسعون إلى تقويض مركزها الرمزي والمؤسسي.
وفي هذا السياق، تكتسب التسريبات غير المؤكدة التي تحدثت عن علم مسبق لدى الرئيس الانتقالي بتهديدات محتملة للعاصمة أهمية تحليلية، ليس لثبوتها، بل لما تعكسه من إدراك داخل دوائر القرار لطبيعة المخاطر، وما تطرحه من تساؤلات حول فعالية الاستجابة الوقائية.
في الشمال، تعكس التطورات في كيدال استمرار هشاشة ما تحقق سابقاً من مكاسب عسكرية.
فالإعلان عن السيطرة على المدينة، رغم غياب تأكيد مستقل، يشير إلى اختلال ميداني يعيد هذه المنطقة إلى صدارة المشهد.
كما أن الحديث عن تفاهمات لتأمين انسحاب عناصر “أفريكا كوربس” الروسية، إن ثبت، يطرح مؤشراً على إعادة ترتيب العلاقات الميدانية، ويعكس مرونة تكتيكية لدى الفاعلين المحليين في التعامل مع الوجود الخارجي.
في المقابل، قدّم بيان “الفيلق الإفريقي” قراءة للأحداث بوصفها محاولة انقلاب واسعة، مع الإشارة إلى دعم خارجي للمهاجمين.
ورغم عدم توفر أدلة مستقلة تدعم هذه الرواية، فإنها تعكس توجهاً متزايداً لإدراج الأزمة المالية ضمن سياق تنافس دولي، وهو ما يعقّد المشهد ويمنح الفاعلين المحليين هامشاً أوسع للمناورة.
الأخطر سياسياً يتمثل في ما تم تداوله بشأن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا.
فقد استندت تقارير إعلامية إلى مصادر عائلية في تأكيد مقتله، دون صدور موقف رسمي حتى الآن.
وفي حال تأكد هذا المعطى، فإنه يمثل ضربة مباشرة لمركز القرار العسكري، نظراً لدور كامارا في بنية السلطة وإدارة التحالفات الأمنية.
أما في حال بقي ضمن دائرة المعلومات غير المؤكدة، فإن تداوله يعكس مستوى الاختراق الأمني، ويؤثر على مصداقية الخطاب الرسمي.
وتتزامن هذه المعطيات مع أنباء عن إصابة مدير المخابرات المالية، موديبو كوني.
وهذه المعطيات، حتى دون تأكيد رسمي، تعزز فرضية وصول الهجمات إلى مستويات متقدمة داخل هرم الدولة، وتكشف عن هشاشة نسبية في منظومة الحماية الأمنية.
على مستوى الفاعلين المسلحين، يبرز تحول في خطاب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
إذ أبدت استعداداً لتحييد الجانب الروسي، ووصفت جبهة تحرير أزواد بالشريك.
هذا التطور يشير إلى انتقال من منطق الصراع الأيديولوجي الصارم إلى مقاربة براغماتية قائمة على تقاطع المصالح، وهو ما قد يعيد تشكيل بنية التحالفات في الميدان.
تؤكد هذه المؤشرات أن الصراع في مالي دخل مرحلة أكثر تعقيداً.
حيث تتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وتتراجع الفواصل التقليدية بين مناطق السيطرة ومناطق النزاع.
كما يظهر أن المقاربة العسكرية، رغم قدرتها على تحقيق مكاسب ظرفية، لم تعد كافية لضبط مسار الصراع أو احتوائه.
المآلات المحتملة تشير إلى سيناريوهات مفتوحة.
تتراوح بين احتواء مؤقت يعيد التوازن بشكل هش، وبين انزلاق نحو حرب استنزاف ممتدة متعددة الجبهات.
كما أن الضغوط الأمنية قد تنعكس على تماسك المؤسسة العسكرية نفسها، في ظل تزايد التحديات وتعقّد البيئة العملياتية.
وبهذا المعنى، لا يمكن فصل ما شهدته مالي خلال هذه الهجمات عن السياق الأوسع لتحولات الصراع داخلها، إذ تكشف هذه التطورات عن أزمة تتجاوز البعد الأمني إلى مستوى أعمق يتعلق ببنية الحكم وقدرة الدولة على إدارة التعدد الجغرافي والسياسي داخلها.
وفي ظل غياب مسار سياسي يعالج جذور الصراع، تبقى احتمالات عدم الاستقرار قائمة، مع قابلية عالية لتجدد التصعيد في المدى المتوسط.
عالي أحمد سالم
كاتب صحفي موريتاني متخصص في الشؤون الأمنية لمنطقة الساحل والصحراء




