أخبار كوركولأخبار وتقاريرمميز

آسف سيدي وزير الزراعة … ردودك لم تقنعني ولم تقنع مزارعي فم لكليتة..

الشروق نت / بدايةً السيد الوزير، قلتم إنكم تأسفون لأن ردودكم لم تُقنع السيدة النائب، وأنا أيضاً آسف، لا لأنكم لم تُقنعوا النائب وحدها، بل لأن ردودكم لم تُقنعني ولم تُقنع مزارعي مشروع فم لكليتة، ولا أظنها أقنعت أي شخص يعلم تاريخ هذا المشروع والمراحل التي مرّ بها، ذلك أن الرد حين يكون مبنياً على معلومات غير دقيقة أو على عرض مبتور للحقائق، يصبح أقرب إلى تبرير قرارٍ جاهز منه إلى توضيح موقفٍ موضوعي.

 ومن واجبي، بوصفـي واحداً من أبناء هذه الأرض، ورئيس تعاونية زراعية، و عضو مؤسس للجنة الدفاع عن الأرض، وأحد الملاك الأصليين لها، أن أضع أمام الرأي العام الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تُرى.

السيد الوزير، فهمتُ من ردودكم – مع كامل الاحترام – سعياً لتأسيس مبررات تُفضي عملياً إلى سلب الأرض من أصحابها بذريعة تبدو في ظاهرها منطقية، لكنها في جوهرها غير مؤسسة.

 ولعل أهم تلك الذرائع عندكم قولكم إن الدولة لا تتراجع عن التزاماتها. وهي عبارة جميلة في ذاتها، وتليق بالدولة ومقامها، بل وتبعث الطمأنينة في النفوس حين تُقال بصدق وتُطبّق بعدل. غير أن الإشكال ليس في العبارة، بل في كيفية تنزيلها على الواقع: فكيف تُرفع هذه القاعدة لتثبيت التزامات الدولة مع المستثمرين في مشروع السكر، بينما يُتعامل مع التزامات الدولة معنا وكأنها قابلة للتجاوز أو النسيان، مع أن التزام الدولة مع ملاك فم لكليتة أقدم بعشرات السنين من أي التزام لاحق مع شركات الاستثمار؟

 نحن لا نطعن في الدولة ولا في حقها في تشجيع الاستثمار، بل نطالب فقط بأن تكون الدولة وفية لترتيب التزاماتها.. فالأسبق التزاماً أولى بالاحترام، والأقدم عقداً أحق بالحماية، ولا يستقيم أن يُقال لنا إن الدولة لا تتراجع عن التزاماتها ثم يُطلب منا عملياً أن نقبل بتراجعها عن التزام تاريخي موثق معنا لصالح التزام أحدث مع مستثمرين، فذلك لا يستقيم لا منطقاً ولا قانوناً ولا عدلاً.

السيد الوزير، قلتم أمام البرلمان إن المساحات المزروعة حالياً في مشروع فم لكليتة لا تتجاوز 400 هكتار، وهذه معلومة مغلوطة لا أعرف من زودكم بها، لكن المؤكد أنها لا تعكس الواقع ولا تتوافق مع المعطيات الموجودة لدى مصالح وزارتكم نفسها، لأن مزارعي فم لكليتة يزرعون اليوم ما يقارب 1800 هكتار، بما فيها المساحات الواقعة داخل المشروع والتي لم تكن مستصلحة أصلاً.

 وهذه ليست “دعوى” نلقيها في الهواء، بل حقيقة يمكن لمندوبكم الجهوي في ولاية كوركول أن يؤكدها بسهولة، انطلاقاً من ملفات التعاونيات الزراعية المسجلة لدى المندوبية لطلب الأسمدة، والتي تم تنقيحها وتدقيقها ميدانياً من طرف العمال المختصين. 

وتصحيح هذه المعلومة ليس مجرد تفصيل عابر، بل ضرورة تفرضها الشفافية التي تتبناها الحكومة – أو تقول إنها تتبناها – لأن أي نقاش حول مستقبل المشروع لا يمكن أن يُبنى على أرقام مختلة أو معلومات مجتزأة.

السيد الوزير، قلتم أيضاً إن المشروع تعثر بسبب عدم التزام المزارعين، وهذا – مع كامل الاحترام – غير صحيح. فالمشروع تعثر في مرحلة بسبب تنصل شركة صونادير من التزاماتها المتعلقة بالصيانة والمتابعة، لأن الاتاوات التي تم تحصيلها من المزارعين لم تُستثمر في صيانة المشروع كما نصت عليه الالتزامات، وهو ما أدى إلى ردم القنوات ونمو الأشجار داخل مجاري الري وتعطل منظومة السقي تدريجياً.

ومع ذلك لم يتخلَّ المزارعون عن الأرض ولم يتوقفوا عن الزراعة، بل واصلوا العمل بقدراتهم الذاتية رغم أن صيانة قنوات الري ليست عملاً بسيطاً يُنجز بالأيدي، بل تتطلب آليات كبيرة ومتنوعة لا يملكها المزارعون ولم تكن متاحة في المنطقة لتأجيرها. 

ومن هنا فإن السؤال المنصف ليس: 

لماذا تقلصت المساحات المزروعة في فترات معينة؟ بل:

 من المسؤول عن الأسباب التي أدت إلى ذلك؟ 

نحن نقولها بوضوح: المسؤول هو من لم يلتزم بالصيانة رغم أنه كان يتقاضى الاتاوات مقابلها.

السيد الوزير، صدقتم القول في هذه .. وجود دفتر التزامات موقع بين الدولة ممثلة في شركة صونادير وبين ممثلي ملاك الأرض. 

لكن هذا في حد ذاته يفتح سؤالاً لا يمكن تجاوزه: لماذا توقع الدولة اتفاقاً ملزماً مع أشخاص على أساس أنهم يمثلون ملاك الأرض إن لم يكونوا فعلاً ملاكها الأصليين؟

 إن وجود الدفتر ذاته اعتراف صريح من الدولة بملكية الأرض، وإقرار بأن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة “مستغل” بأرض عامة، بل علاقة التزام تعاقدي بين الدولة والملاك، تُحدد فيها الحقوق والواجبات بوضوح. 

وقد نص دفتر الالتزام على أن المزارعين يدفعون الضرائب والاتاوات بعد كل موسم، مقابل أن تتولى صونادير الصيانة الدورية للمشروع بما في ذلك قنوات الري.

 وهذا ما أُخلّ به من طرف الشركة، ثم تُرك المزارع وحيداً أمام تدهور البنية المائية التي لا يملك أدوات إصلاحها.

السيد الوزير، لم تعرضوا أمام البرلمانيين جميع بنود دفتر الالتزام، ولم توزعوا عليهم نسخاً منه، بينما نحن نملكه ونحفظ بنوده، ونعرف ما فيه حرفاً حرفاً. ولذلك فإن انتقاء بعض البنود وعرضها على نحو يوحي باستنتاجات غير مؤسسة لا يمكن أن يكون مقنعاً. 

وبما أنكم انتقيتم من الدفتر ما يخدم عرضكم، فسأنتقي بدوري بنداً واحداً فقط، لكنه بند صريح لا يقبل الإسقاط ولا التأويل: ينص البند على أنه في حال تعثر المشروع تُرجع الأرض إلى أصحابها، وهم الموقعون على دفتر الالتزام مع الدولة. 

وهذا البند وحده يكفي ليضع الأمور في نصابها القانوني والأخلاقي، ويجعل أي اتفاق لاحق يمنح أراضي مشروع فم لكليتة لمستثمرين لإقامة مشروع السكر سلباً واضحاً لأملاك خصوصية، وهو ما لا يجيزه القانون ولا تقبله العدالة.

السيد الوزير، قلتم كذلك إنكم على علم باحتجاجات المزارعين وإنكم التقيتم ممثلي التعاونيات في إطار المشاورات لإقامة المشروع.

 وهنا نطرح سؤالاً بسيطاً ومباشراً: متى كان ذلك؟ 

أنا رئيس تعاونية زراعية، و عضو لجنة الدفاع عن الأرض، وأحد الملاك الأصليين للأرض، ووالدي أحد ستة وجهاء وقعوا التزاماً مع الدولة حول المشروع سنة 1982، ومع ذلك لم أتشاور ولم يتشاور أي من رؤساء التعاونيات الزراعية في فم لكليتة ولا مكتب الدفاع عن الأرض – وهو مكتب يضم ممثلين عن الملاك الأصليين ورؤساء التعاونيات – مع أي لجنة مبعوثة من وزارتكم حول مشروع إقامة مشروع للسكر في أراضي فم لكليتة. 

فإذا كان التشاور قد حصل فعلاً، فمن هم الذين شاورتموهم؟ 

ومن الذي خوّلهم الحديث باسم الملاك والتعاونيات؟ 

لأن التشاور الحقيقي لا يكون مع أسماء لا تمثل الأرض وأهلها، ولا مع واجهات تُستدعى لتجميل قرارٍ اتُّخذ سلفاً.

السيد الوزير، إن ردودكم لم تكن مقنعة لأنها لم تستند إلى معلومات صحيحة، ولم تعرض الوثائق كاملة، ولم تُجب عن جوهر الإشكال: كيف يُطلب من ملاك الأرض أن يقبلوا عملياً بتجاوز التزام قديم موثق لصالح التزام أحدث مع مستثمرين؟

 نحن لا نخاصم الدولة، بل نحتكم إليها، ولا نرفض الاستثمار، بل نرفض أن يكون الاستثمار جسراً للتعدي على حقوق الملاك الأصليين. 

نريد استثماراً يحترم القانون، ويؤسس للعدالة، ويُشرك أهل الأرض في القرار، لا استثماراً يبدأ بتهميشهم وينتهي بتجريدهم من حقهم. 

وما نطالب به في النهاية ليس امتيازاً ولا صدقة ولا منّة، بل تطبيق واضح لما نصت عليه الوثائق: إن تعثر المشروع تُرجع الأرض إلى أصحابها. هذا هو العدل، وهذا هو القانون، وهذا هو مقتضى الوفاء بالالتزامات.

#البو ولد أحمد سالم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى