مهرجان لكصيبة.. رسائل مشفّرة تحت وقع التثمين: عندما يُسدل الستار على وهم الزعامة

#الشروق نت – لكصيبة
في مشهدٍ سياسي مشحون بالدلالات، احتضنت مقاطعة لكصيبة مهرجانًا جماهيريًا ضخمًا، رُفع خلاله شعار تثمين إنجازات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، لكن باطن الحدث لم يُطابق عنوانه.
فقد بدا جليًا أن النشاط، الذي نظمه وزير المعادن والصناعة التيجاني تيام، لم يكن محلّ توافق محلي، رغم أن أطر المقاطعة وأعيانها عرفوا تاريخيًا بالانخراط في كل مبادرة تثمّن جهود الرئيس وتدعم مسار الإصلاح.
غير أن هذه النسخة من “التثمين” كادت أن تُجهض قبل انطلاقتها، بفعل ارتجال التنظيم، وتفشي مناخ من التهميش والإقصاء المتعمد.
تهميش ممنهج.. وفوضى كادت تعصف بكل شيء
ورغم الزخم الجماهيري الذي طبع المهرجان في مظهره، إلا أن خلف الكواليس كانت الأجواء مشحونة ومتوترة، إذ عبّر عدد كبير من أطر ووجهاء المقاطعة عن استيائهم من النهج الأحادي الذي اعتمده الوزير في التحضير، متجاوزًا الأعراف المحلية ومتجاهلًا أبرز الفاعلين.
مصادر مطّلعة كشفت أن أطر المقاطعة وفاعليها لم يُبلغوا بالمهرجان إلا قبل أربعة أيام فقط من موعده، ما جعل كثيرًا منهم يميل إلى المقاطعة، لولا حرصهم على حفظ ماء الوجه أمام الضيوف الذين استُدعوا من ولايتي كوركول ولبراكنه.
وما زاد من حالة التوتر، أن التنظيم فُوِّض لمجموعة شبابية تابعة للوزير، مارست الانتقائية في السماح بالصعود إلى المنصة الرسمية، ما أدى إلى تدافع وفوضى غير مسبوقة، جسّدت هشاشة التنظيم، وعمّقت مشاعر الإقصاء في نفوس أبناء المنطقة.
منصة رسمية تُجسّد الإقصاء.. وضيوف يطغون على أهل الدار
في سابقة غير مفهومة، خلا الصف الأول من المنصة الرسمية، الذي ضم خمس مقاعد فقط، من أي منتخب محلي أو إطار بارز من أبناء لكصيبة، باستثناء الوزير نفسه ونائب المقاطعة كن مصطفى، إلى جانب نائبي مونكل وأمبود.
فيما وُضع عمد المقاطعة والأطر المحليون في الصفوف الخلفية، بينما صعد المنصة ضيوف الوزير من خارج المقاطعة، في مشهد اعتبره كثيرون تجسيدًا صارخًا لنية الإقصاء، لا مجرد سهو تنظيمي.
بل إن كثيرًا من أعيان المنطقة وجدوا أنفسهم واقفين في الساحة، بعدما مُنعوا من الصعود، رغم رمزية حضورهم ومكانتهم المجتمعية.
الحشد الكبير.. وفاء للوطن لا للمنظّم
رغم كل تلك الاختلالات، فقد حضر جمهور واسع من سكان المقاطعة، بفضل تعبئة قادها الأطر المحليون بشكل مستقل .. فكان الحضور بمثابة رد اعتبار للمقاطعة لا تزكية للمنظم.
ولفت الانتباه الحضور القوي لحلف الإطار البارز في وزارة الزراعة، باب أحمد ولد النقرة، رغم تغيبه في مهمة رسمية بالحوض الشرقي.
كما شاركت مجموعة النائب كن مصطفى، إلى جانب المدير العام للمكتب الوطني لخدمات الماء أحمد بمب ولد زيني، والدكتور باب ولد بنيوك، والمدير بوزارة التربية محمد ولد بوب، والمدير بالشركة الوطنية للكهرباء ددي ولد ألمين، إضافة إلى جماعة خلف نائب مقاطعة لكصيبة الوجيه معطه ولد أرحييل.
كما لم تغب عن المهرجان مجموعة عمد بلدية كنكي و بلدية بتنكل، والعمدة المساعد محمد ولد المنفوع، في موقف موحد عكس جاهزية المقاطعة لتلبية نداء الوطن في كل حين.
ليلة ما قبل المهرجان.. انفجار الخلافات وتبادل الاتهامات
الليلة التي سبقت الحدث كانت حبلى بالتوتر ، فقد عقد الأطر والفاعلون السياسيون اجتماعًا حادًا، ظهرت فيه خلافات قديمة وأخرى مستجدة.. كاد الاجتماع أن يُفضي إلى انسحاب جماعي، لولا تدخل العقلاء، مراعاة لمصلحة المقاطعة وصورتها أمام الضيوف.
قبيل انطلاق المهرجان، كان صوت أحد الفنانين يصدح باسم الوزير تيام، في محاولة لصناعة هالة وهمية، ما استفز القيادي السياسي كن عبد الوهاب، الذي طالب بإيقاف العرض فورًا، واعتبره تشويشًا غير لائق على سياق الحدث.
الخطابات الرسمية.. استعراض فارغ وفقدان للبوصلة
جاءت الكلمات الرسمية باهتة، أقرب إلى حفل تدشين منها إلى مهرجان سياسي جامع.
تحدّث رئيس قسم حزب الإنصاف بالمقاطعة، ثم عمدة لكصيبة، ثم عمد كنكي والطلحاية وبتنكل، ليختم المهرجان بكلمة للوزير حاول من خلالها لملمة ملامح فشله السياسي المهتز.
لكن المثير أن المهرجان خلا تمامًا من مشاركة أي من الوجوه التقليدية أو الشبابية أو النسوية في إلقاء الكلمة، ما عكس انعدام الشمولية، وزاد من الشعور بالتهميش لدى شرائح واسعة.
وما ضاعف من الإحساس بضعف الحدث وارتباك تنظيمه، هو الغياب اللافت للتلفزيون الرسمي، في سابقة هي الأولى من نوعها، حيث لم تُغطِ القناة الوطنية المهرجان كما جرت العادة في باقي الأنشطة المماثلة داخل المقاطعات الأخرى، بما في ذلك عاصمة الولاية كيهيدي.
فقد اكتفى منظمو المهرجان بالاعتماد على وسائل إعلام مستقلة، اختيرت بعناية لضمان التحكم في ما يُنشر من صور وخطابات، وهو ما فسره البعض كمحاولة لحجب الإخفاق خلف عدسات مأمونة، لا مرآة وطنية تعكس الواقع كما هو.
ما بين النجاح الجماهيري والفشل السياسي
ورغم كثافة الحضور، إلا أن محللين يرون أن المهرجان شكّل ضربة موجعة لطموحات الوزير السياسية، وأظهر محدودية تأثيره في المقاطعة ، فالمشاركة الشعبية لم تكن ثمرة دعوته، بل جاءت تعبيرًا عن التزام أبناء لكصيبة بنهج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ورفضهم لتشويه صورتهم أمام الضيوف.
تجييش بعض المقربين من الوزير للهتاف باسمه، لم يُفلح في تزييف الواقع، ولا في حجب حالة العزلة السياسية التي ظهر بها ، إذ خرج من الحدث مهزوزًا، وفاقدًا للبوصلة، في مشهد لا يُعزّز مكانته لدى صانع القرار.
في الختام.. منصة فارغة من التمثيل، مكتظة بالرسائل
لقد أسدل مهرجان لكصيبة الستار على فصل جديد من التنافر السياسي داخل المقاطعة، وكشف حجم الشرخ الذي عمّقته خيارات الوزير وتصرفاته.
فبالرغم من الحشد، كان الصوت الحقيقي غائبًا، وحضور الأطر مشروطًا بكرامتهم لا بولائهم.
رسائل الحدث واضحة.. الحشد لا يُعني النجاح، والتهميش لا يُغطيه التصفيق، والمناصب لا تُحصّن من السقوط.
أما الوزير، فخرج من لكصيبة وهو يُغرد خارج السرب، تاركًا خلفه واقعًا سياسيًا مهزوزًا، قد يُغلق آخر الأبواب في وجه طموح سياسي بات من الماضي.
#البـو