كيهيدي تحت حصار النفايات.. حملات عابرة وأزمة تبحث عن حل دائم

الشروق نت (كيهيدي) – لم تعد أكوام القمامة المنتشرة في شوارع كيهيدي وأحيائها مجرد مشاهد عابرة تشوه وجه المدينة، بل تحولت إلى أزمة بيئية وصحية مزمنة، تكشف اتساع الفجوة بين النمو العمراني المتسارع وقدرة منظومة النظافة الحالية على جمع النفايات ونقلها والتخلص منها بصورة منتظمة وآمنة.
وفي عدد من الأحياء، تتراكم النفايات بمحاذاة الطرق وداخل الساحات وبين المنازل، فيما تتحول بعض المنخفضات وأحواض تجميع مياه الأمطار إلى مكبات عشوائية.
وتزداد خطورة الوضع مع ارتفاع درجات الحرارة وهبوب الرياح التي تنقل الأكياس والمخلفات الخفيفة، فضلا عن تصاعد الروائح وانتشار الحشرات، ولجوء بعض السكان إلى إحراق القمامة، وما يصاحب ذلك من أدخنة ملوثة تصل إلى المناطق السكنية.
وتظهر المعطيات المتوفرة أن الأزمة لا ترتبط فقط بتصرفات السكان أو ضعف الوعي بأهمية النظافة، بل تعود في جانب كبير منها إلى غياب نظام مستدام يغطي دورة النفايات كاملة، بدءا من جمعها داخل الأحياء، مرورا بنقلها وفق جدول منتظم، ووصولا إلى التخلص منها في موقع مؤهل خارج النطاق العمراني.
وقد أطلقت السلطات الإدارية وبلدية كيهيدي، منتصف يونيو الماضي، حملة لتنظيف الأحياء والشوارع والساحات العامة والقضاء على المكبات العشوائية.
وأعلن عمدة البلدية دمبا انجاي حينها أن النفايات المرفوعة ستجمع في مكب موحد يقع على بعد سبعة كيلومترات من المدينة، كما تحدث عن مشروع لمعالجة النفايات وتدويرها يوفر عشرين فرصة عمل مباشرة للشباب.
غير أن عودة القمامة إلى بعض المواقع بعد فترة وجيزة أعادت طرح التساؤلات بشأن قدرة الحملات المحدودة زمنيا على معالجة مشكلة تراكمت على مدى سنوات، وأصبحت تؤثر في الحياة اليومية للسكان وصورة العاصمة الجهوية لولاية كوركول.
وبحسب دراسة للأثر البيئي والاجتماعي أعدت في إطار مشروع دعم اللامركزية وتنمية المدن المتوسطة والمنتجة «مدن»، فإن كيهيدي لا تتوفر على نظام فعال لإدارة النفايات الصلبة، وأن جهود النظافة ظلت مرتبطة بحملات موسمية ومتفرقة، تفتقر إلى الإمكانات اللازمة لضمان استمراريتها.
وتشير الدراسة إلى أن البلدية لا تملك الوسائل الكافية ولا الخطة التنظيمية التي تمكنها من التعامل الملائم مع الكميات المنتجة يوميا، في مدينة يتراوح عدد سكانها بين 50 و60 ألف نسمة.
وتقدر الدراسة إنتاج الفرد بنحو نصف كيلوغرام من النفايات يوميا، ما يعني أن المدينة تنتج ما بين 25 و30 طنا من المخلفات كل يوم، تتكون نسبة 54 في المائة منها من مواد عضوية، فيما تشمل النسبة المتبقية مواد قابلة للتثمين والتدوير، من بينها البلاستيك والورق والكرتون والمعادن.
وسبق أن قسمت أحياء كيهيدي البالغ عددها 21 حيا إلى 12 منطقة لجمع النفايات، مع استخدام عربات ثلاثية العجلات، غير أن التجربة لم تنجح في الحد من انتشار القمامة، بسبب ضعف التمويل وغياب التنظيم وعدم توفر موقع نهائي مهيأ لاستقبال المخلفات.
وخلصت الدراسة إلى أن تلك الآليات كانت، في بعض الحالات، تنقل المشكلة من موقع إلى آخر داخل المدينة أو عند أطرافها، بدل معالجتها بصورة جذرية، وهو ما ساهم في استمرار ظهور المكبات العشوائية بالقرب من الأحياء والساحات والمرافق العامة.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند تشويه المظهر العام، إذ يؤدي رمي النفايات في قنوات التصريف وأحواض تجميع المياه إلى انسدادها، وتعطيل قدرتها على استيعاب مياه الأمطار، بما يزيد مخاطر الغمر خلال موسم الخريف.
وتتضاعف خطورة الوضع بسبب طبيعة تضاريس كيهيدي واتساع مناطقها المنخفضة، إضافة إلى تهالك شبكة تصريف المياه، وهو ما يجعل تراكم المخلفات عاملا إضافيا في تفاقم مشكلات السيول والمياه الراكدة.
كما تحذر الدراسة من إلقاء النفايات في مناطق غير مهيأة، خصوصا القريبة من النهر، لما قد يترتب على ذلك من أضرار بيئية وتهديد للمياه، فضلا عن المخاطر الناجمة عن الحرق العشوائي للمخلفات وتراكمها قرب المنازل.
وفي ظل محدودية التدخلات الرسمية، برزت مبادرات نفذتها منظمات نسائية وروابط شبابية، شملت تنظيف ساحات ومكبات وتنظيم حملات توعية، غير أن نتائج بعضها لم تستمر طويلا، بعد عودة النفايات إلى مواقع جرى تنظيفها خلال أيام قليلة.
ويرى فاعلون مدنيون أن العمل التطوعي، رغم أهميته، لا يمكن أن يعوض خدمة عمومية منظمة تمتلك العمال والمعدات والتمويل وخطة دائمة للتدخل، مؤكدين أن الحفاظ على نظافة المدينة يتطلب أيضا التزام السكان وأصحاب المحال التجارية بعدم رمي المخلفات في الطرق والساحات وقنوات تصريف المياه.
وتتضمن الخطط المطروحة إنشاء مكب مؤقت مهيأ خارج المدينة، في انتظار إنجاز مركز فني نهائي للنفايات، إلى جانب تنظيم مسارات الجمع وتشغيل العربات وتشكيل لجان داخل الأحياء.
غير أن جدوى هذه المشاريع ستظل مرتبطة بسرعة تنفيذها، وتحديد المسؤوليات، وتوفير تمويل دائم للنقل والصيانة والعمال، وفرض رقابة تمنع عودة المكبات إلى المواقع التي جرى تنظيفها.
وفي انتظار حلول عملية ومستدامة، تبقى كيهيدي بحاجة إلى ما هو أبعد من حملات تنتهي بانتهاء أيامها: خدمة يومية منتظمة، وآليات نقل كافية، ونقاط جمع محددة، ومكب مراقب، وبرنامج جاد للتوعية والمساءلة.
فنجاح أي تدخل لا يقاس بعدد الشاحنات المشاركة، ولا بحجم القمامة التي ترفع في يوم واحد، وإنما بقدرة المدينة على البقاء نظيفة بعد مغادرة الآليات وانتهاء الصور الرسمية.




