أخبار وتقاريركتاب ومقالاتمميز

العودة للقوانين الاستثنائية..

الشروق / لم يكتف النظام بتقنين صفقات التراضي من خلال المرسوم رقم 2020-058 الذي بموجبه أخضعت الصفقات العمومية لأحكام استثنائية بموجبها تم تجاوز مدونة الصفقات، فضلا عن توقيف نشر تقارير لجنة الصفقات، وكذلك الأمر نفسه مع تقارير محكمة الحسابات، حيث لم ينته من مهمة الإجهاز على حلم الشفافية في تسيير الممتلكات العمومية حتى توجه إلى مجال أهم وهو حرية التعبير، ليبدأ جولاته في هذا الصدد بمشروع قانون الرموز “الوطنية “، وهو مشروع يوضح إيمان النظام الراسخ بالأحكام الاستثنائية، كما يؤكد سيره قدما في مساره القمعي، وحنينه إلى أيام الدولة البوليسية، والقفز على الدستور..

لقد تحدث الدستور عن رمز واحد في المادة الثامنة منه وهو العلم الوطني، وتحدث عن الرئيس في باب السلطة التنفيذية كموظف لا كرمز، وحسب المادة 38 من الدستور أيضا فإن الرئيس يستشير الشعب عن طريق الاستفتاء في ” الأمور ذات الأهمية الوطنية”، ما يعني أن موضوع الرموز الوطنية والأمور ذات الأهمية الوطنية بصفة عامة مواضيع دستورية، نص عليها الدستور، وطلب من الرئيس عرض مستجدها على الشعب، عن طريق الاستفتاء، وبالتالي يمكن اعتبار مشروع قانون الرموز الوطنية قانون غير دستوري، فضلا عن كونه مجرد آلة قمعية، ستستخدم للتضييق على الصحفيين، وقمع النشطاء والسياسيين، كما أنه يعيدنا أيضا إلى أيام هياكل تهذيب الجماهير، وأساليب تجاوزناها بفضل تضحيات جسام، من طرف أناس دفع بعضهم حياته في سبيل القضاء على مثل تلك الأساليب الظلامية، ورفضوا السير كقطعان خلف تسلط الحكام وجشعهم، وتركوا تلك الثمار أمانة في أعناق من يؤمنون بقيم الحرية والديموقراطية، أملا في رعايتها حتى تنضج، والوقوف دون استباحتها من طرف أعداء قيم الحرية والعدل والمساواة ..

يدخلنا النظام بتعامله غير المسؤول مع المعارضين وأي رأي مخالف، وإقحام مثل هذه القوانين من أجل تكميم الأفواه إلى مرحلة دقيقة وبالغة الحساسية وربما فاصلة، يسعى من خلالها للقضاء على الحد الأدنى الذي كنا نمتلكه من حرية التعبير، وحرية الرأي والممارسة السياسية، وهو ما سيدخل البلد إذا نجح النظام في مسعاه إلى نفق مظلم، ستكون أقل نتائجه التحول من الممارسة السياسية الطبيعية بالعلن إلى العمل الحركي السري، وسيتحول بموجبه من كان ينظر إليه على أنه مجرد طرف إلى عدو، وبالتالي تغير قواعد اللعبة بشكل جذري..

لست بموقف الناصح للنظام، ورمزه ليس بالمستمع الجيد للنصح كما وصفه بعض من إلتقوه، وليس أيضا بغير الصدامي كما توضح قوانينه وممارساته، إلا أن الحرص على الهدوء والسكينة ونحن نخوض معركتنا ضد الاستبداد، ضد الطغيان وضد الفساد، والسعي لبلوغ الأهداف، وتحقيق التغيير الذي ننشده بشكل سلس وآمن، يفرض علينا التنبيه إلى خطورة النهج الذي ينتهجه هذا النظام، وعواقبه الوخيمة عليه وعلى الوطن عموما..

يتضح من مشروع قانون الرموز وماسبقه من قوانين وممارسات تعطش النظام لإحكام قبضته الأمنية، وحنينه إلى الأحكام العرفية، وتخييره لنا بين قبول سياساته وتزكيتها، أو التعقب والعقاب، وإذا لم يتم الوقوف بشكل حازم في وجه هذا المسار الخطير فقد تستيقظون على استفتاء لتغيير شكل نظام الحكم، ولستم محتاجين لانتظار تلك اللحظة حتى يتأكد الأمر لديكم، فالغبي وحده من يحتاج شرب كل مياه البحر حتى يكتشف ملوحتها ..!

 

باب ولد إبراهيم 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى