ولد اكوهي: الإدمان مرض عصبي ونفسي.. والأسرة شريك أساسي في رحلة العلاج

الشروق نت / أكد منسق البرنامج الوطني للصحة النفسية ومكافحة الإدمان بوزارة الصحة، الدكتور الشيخ محمد فاضل ولد اكوهي، أن الإدمان يمثل حالة نفسية وعصبية معقدة تؤثر في سلوك الفرد وصحته النفسية والجسدية، ولا تقتصر على تعاطي المخدرات، بل قد تشمل سلوكيات أخرى مثل القمار الإلكتروني والاستخدام المفرط للهواتف.
وأوضح ولد اكوهي، خلال مداخلة في النشرة التحليلية على قناة TTV الخاصة ، أن الفارق الأساسي بين التعاطي والإدمان يظهر عندما يفقد الشخص قدرته على الاستغناء عن المادة، وتتحول إلى محور لانشغاله اليومي، من حيث البحث عنها وتوفيرها وتحديد وقت استخدامها، مع ظهور أعراض نفسية وعصبية وسلوكية عند تأخر استهلاكها.
وأشار إلى أن بعض الاضطرابات النفسية، وفي مقدمتها القلق والاكتئاب، قد تزيد قابلية الشخص للوقوع في الإدمان، خصوصا عندما يلجأ إلى المواد المخدرة بحثا عن النوم أو تخفيف القلق أو الهروب من المشكلات. وأكد أن الشعور بالراحة الذي قد تمنحه هذه المواد مؤقت ووهمي، وقد يقود مع مرور الوقت إلى زيادة الاستهلاك وتفاقم الاضطرابات النفسية بدلا من علاجها.
وحذر الطبيب النفسي من خطورة المخدرات على الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي أو هشاشة نفسية، إذ يمكن أن تتسبب في ظهور اضطرابات عقلية خطيرة، لافتا إلى أن الشخص لا يستطيع معرفة مدى استعداده الجيني أو النفسي مسبقا، وهو ما يجعل تجربة قد تبدأ بدافع الفضول أو الطيش مدخلا محتملا إلى مسار مرضي طويل ومعقد.
ومن أبرز المؤشرات على الانتقال من مرحلة التعاطي إلى الإدمان، بحسب ولد اگوهي، الانشغال المستمر بالحصول على المادة والبحث عن الأموال اللازمة لشرائها، وهي حاجة قهرية قد تقود في بعض الحالات إلى سرقة الأموال والممتلكات داخل الأسرة، قبل أن تتطور إلى الاحتيال والسرقة والسطو.
ولا تتوقف انعكاسات الإدمان عند الجانب الصحي، إذ تمتد إلى الدراسة والعمل والحياة الاجتماعية، من خلال تراجع المردودية وفقدان الاهتمام بالأهداف والطموحات، وارتفاع معدلات التغيب والرسوب وتدني المستوى الدراسي لدى الطلاب، مقابل ضعف الأداء والإنتاجية لدى العاملين.
وفي حديثه عن العلاج، أوضح منسق البرنامج الوطني للصحة النفسية ومكافحة الإدمان أن الخطوة الأولى تبدأ بتقييم شامل لحالة المريض، لا يكتفي بتشخيص التعاطي، وإنما يبحث في الأسباب والعوامل المحيطة به، عبر التواصل مع الشخص وأسرته ودراسة ظروفه الأسرية والاجتماعية والمادية، وسوابقه النفسية وسوابق أفراد أسرته، فضلا عن الصدمات التي قد يكون تعرض لها وتأثير البطالة والفقر وغيرها من العوامل.
ويشمل التقييم كذلك الجانب الصحي، إذ قد تبدأ بعض حالات الإدمان باستخدام أدوية لعلاج مشكلات عضوية، من بينها الآلام المزمنة، قبل أن يتحول الاستخدام غير المنضبط إلى اعتماد وإدمان.
وأشار ولد اكوهي إلى أن الخطة العلاجية تتطلب أيضا فحوصات للتأكد من الوضع الصحي للمريض، خاصة وظائف الكبد والكلى والكشف عن بعض الأمراض المعدية، إلى جانب تحديد تاريخ بداية التعاطي ونوع المواد المستخدمة ووتيرة استهلاكها والظروف التي رافقت البداية، فضلا عن معرفة محاولات التوقف السابقة وأسباب نجاحها أو فشلها.
وأضاف أن العلاج قد يشمل بروتوكولات طبية تساعد الجسم على التخلص بصورة آمنة من آثار المواد الإدمانية، بالتوازي مع العلاج النفسي، ومن بين أساليبه الحوار التحفيزي الذي يعمل على تعزيز دافعية المريض لاتخاذ قرار التوقف ومساعدته على الاستمرار فيه.
وبحسب ولد اكوهي، فإن التحدي لا ينتهي بانتهاء المرحلة الطبية من العلاج، بل يتمثل أساسا في الوقاية من الانتكاسة، من خلال تحديد نقاط الضعف والظروف التي قد تعيد الشخص إلى التعاطي ومعالجتها، مؤكدا أن حدوث الانتكاسة لا يعني بالضرورة فشل العلاج، وإنما يمكن أن يشكل فرصة لفهم أسبابها وإعادة بناء الخطة العلاجية على نحو أكثر فاعلية.
ووصف الإدمان بأنه مرض ذو طبيعة عصبية، نظرا لما تحدثه المواد الإدمانية من تغييرات في الجهاز العصبي، وهو ما يجعل التعافي مسارا يحتاج إلى الوقت والعلاج والمتابعة المستمرة، ولا يمكن اختزاله في مجرد قرار شخصي بالتوقف.
وشدد منسق البرنامج على أهمية الأسرة في نجاح هذا المسار، مؤكدا أن الثقة والحوار والدعم يمكن أن تشجع الشخص على الاعتراف بالمشكلة وطلب المساعدة مبكرا، في حين قد تؤدي الرقابة القاسية والوصم والعزل إلى إخفاء الإدمان ورفض العلاج.
ودعا الأسر إلى عدم التعامل مع المدمن باعتباره مصدر عار أو شخصا انتهت فرصه في الحياة، وإنما باعتباره شخصا يواجه مشكلة قابلة للعلاج، مع ضرورة تجنب مقاطعته وعزله وفتح باب الحوار معه وإشعاره بأنه لا يزال جزءا من أسرته وأنها مستعدة لمساندته.
وأكد ولد اكوهي أن الاعتراف بالمشكلة وبناء الثقة وتشجيع الشخص على اللجوء إلى المختصين تمثل المدخل الصحيح للعلاج، مشددا على أن التدخل المبكر والمواكبة الطبية والنفسية والدعم الأسري عوامل أساسية لرفع فرص التعافي والحد من الانتكاسة والآثار التي يتركها الإدمان على الفرد والأسرة والمجتمع.



