تيرس الزمور: كلفة التنقيب ومخاطر العمل تضع حقوق المنقبين في صلب اختبار التنظيم

تقرير خاص — الشروق نت
تتراكم أمام المنقبين عن الذهب في ولاية تيرس الزمور مشكلات تمس شروط استمرارهم في النشاط:
الوصول إلى مواقع الاستغلال، وتوفير الماء والعلاج، وتأمين الآبار، وتحمل كلفة النقل والمعالجة، وضمان عدالة تسويق الإنتاج.
وتتصل هذه المطالب بسؤال أوسع عن نصيب العاملين في التعدين الأهلي من الحماية والخدمات، ومدى قدرتهم على العمل ضمن قواعد واضحة ومستقرة.
وتكشف متابعة القرارات الرسمية والمطالب المهنية أن الإشكال يمتد على طول دورة الإنتاج؛ فالمنقب يتحمل النفقات قبل معرفة مردود عمله، ويواجه مخاطر أثناء الاستخراج، ثم يدخل مرحلة أخرى من الأعباء عند نقل الحجارة ومعالجتها وبيع الذهب.
ولذلك، لا يمكن تقييم أوضاعه بكمية ما يستخرجه وحدها، دون احتساب ما يدفعه للوصول إليه وتسويقه.
مواقع التنقيب.. الحاجة إلى استقرار شروط العمل
يشكل تحديد المناطق المفتوحة أمام التنقيب أحد أكثر الملفات حساسية. وقد شددت السلطات خلال العام الجاري على منع النشاط في نطاق يقل عن عشرة كيلومترات من حدود الدول المجاورة، وعلى الالتزام بالأروقة المخصصة للتعدين الأهلي، مبررة هذه الإجراءات بحماية المنقبين وصون الحوزة الترابية.
وأبدى ممثلون للمنقبين استعدادهم للامتثال، مع المطالبة بتمديد مهل إخلاء بعض المواقع.
وفي أكتوبر، صدر حكم بتغريم 61 منقبًا، بمبلغ 51 ألف أوقية قديمة لكل واحد، عقب توقيفهم أثناء التنقيب في منطقة محظورة بمجهر اكليب اندور، بما يعكس استمرار الاحتكاك بين شروط ممارسة النشاط والقيود المفروضة على مجاله الجغرافي.
وفي المقابل، أعلن وزير المعادن والصناعة في يونيو ترتيبات تسمح باستمرار المنقبين في عدد من المواقع غير المرخصة، بينها بير أم اكرين وأمجيحيدات وزكولة ولكليب لخظر وتنومر، مقابل اقتصار أصحاب الرخص على المسوحات الجيولوجية دون الشروع في الاستغلال.
كما أُعلن استمرار العمل في لخشيبة والرويشات، ضمن الحدود القائمة، مع منع التوسع واستخدام الآليات الثقيلة.
وتكشف هذه الترتيبات حاجة إلى توضيح وضعية كل موقع، والتمييز بين الترخيص المستقر والسماح المشروط، وتحديد العلاقة بين المنقبين وأصحاب الرخص.
فالإنفاق على الحفر والمعدات والنقل يتطلب معرفة مسبقة بحدود العمل ومدته وشروط إيقافه، حتى لا يتحول تغير الوضع الإداري للموقع إلى خسارة يتحملها العاملون وحدهم.
سلامة الآبار.. مطلب يتقدم على بقية المطالب
تضع حوادث الانهيار والاختناق ملف السلامة في مقدمة الأولويات.
ففي يونيو، توفي أربعة منقبين داخل بئر بمنطقة تنومر، وسط محاولات إنقاذ شارك فيها متطوعون، ومطالب بتوفير معدات متخصصة وطواقم قادرة على التدخل في الأعماق.
كما تعرض بعض المشاركين في محاولات الإنقاذ للاختناق، بما يبين خطورة التدخل دون تجهيز وتأهيل مناسبين.
وتكررت خلال سبتمبر حوادث انهيار في اكليب اندور، وسُجل تدخل لفرقة تابعة لمعادن موريتانيا لانتشال منقب مصاب.
ويؤكد ذلك وجود تدخلات ميدانية، لكنه يفتح سؤالًا عن مدى تغطيتها للمواقع، وسرعة وصولها، وقدرتها على التعامل مع الحوادث المتزامنة والمقالع البعيدة.
وقد أطلقت معادن موريتانيا حملات توعية ووزعت معدات حماية فردية.
غير أن قياس أثر هذه الجهود يقتضي إعلان حصيلة فحص الآبار، ومعالجة المواقع الخطرة، وتمركز فرق الإنقاذ، وأوقات الاستجابة للبلاغات، ونتائج التحقيق في الحوادث.
وتبرز هنا الحاجة إلى منظومة دائمة للوقاية والتدخل:
رقابة فنية، وتدريب للعاملين، ووسائل اتصال، وتجهيزات إنقاذ، وترتيبات للإجلاء الطبي.
فكل حادث يستوجب تحديد أسبابه واستخلاص إجراءات تمنع تكراره، بدل انتهاء المتابعة بانتهاء عملية انتشال الضحايا.
الماء والعلاج.. أعباء إضافية في المواقع النائية
لا تنفصل سلامة المنقب عن ظروف إقامته في مناطق العمل.
ففي أغسطس، استدعت أزمة نفاد المياه لدى مجموعة من المنقبين في موقع يعرف باسم «مضيق هرمز» بمنطقة آميرق عيه تدخلًا لتأمين الإمدادات، بعد تعثر وصولها وارتفاع كلفة نقلها.
وتكشف هذه الواقعة هشاشة الإمداد في بعض التجمعات البعيدة، حيث يمكن أن تتحول مشكلة النقل إلى تهديد مباشر لحياة العاملين.
كما تتكرر في المطالب المهنية الدعوة إلى توفير مياه الشرب والخدمات الصحية في مناطق بينها اكليب اندور وأم آرقعية.
وسبق إعلان ترتيبات لتجهيز نقاط صحية وتحسين الاستفادة من مصادر المياه.
لكن تقييم أثرها يحتاج إلى التحقق من انتظام الخدمة:
وجود طواقم مستقرة، وتوافر الدواء والإسعاف، واستمرار الإمداد المائي، وقدرة المنقبين على تحمل كلفته.
النقل والرسوم.. نفقات تضغط على مردودية النشاط
تبدأ أعباء المنقب قبل استخراج الذهب، وتستمر مع نقل الحجارة وطحنها ومعالجتها.
وقد ظلت أسعار هذه الخدمات موضع شكاوى ومفاوضات منذ سنوات، وصولًا إلى أزمات نقل واحتجاجات خلال العام الجاري.
ففي أبريل، أدى إضراب الناقلين إلى مناطق التنقيب، على خلفية خلاف بشأن الوقود والتسعيرة، إلى اتخاذ ترتيبات استثنائية لتخفيف أزمة تنقل المنقبين.
وفي سبتمبر، احتج اتحاد وكالات النقل على رسوم قال إنها تبلغ خمسين ألف أوقية قديمة على السيارة وعشرة آلاف على السائق للولوج إلى مركز المعالجة.
وتظل هذه المبالغ منسوبة إلى المحتجين، فيما يحتاج سندها ودورية تحصيلها والخدمات المقابلة لها إلى توضيح رسمي.
ويبرز من هذا الملف مطلب نشر جدول موحد للرسوم، يحدد الجهة المخولة بالتحصيل وأساسه، ويتيح الاعتراض على أي مبالغ محل نزاع.
كما تقتضي مراجعة الكلفة احتساب مجموع النفقات، ومدى تأثيرها على صغار المنقبين خصوصًا؛ فقد يستخرج العامل الذهب، ثم تستنفد مصاريف الإنتاج والمعالجة معظم قيمته.
التعيير والتسويق.. ضمان الحصول على قيمة الإنتاج
يتركز جانب أساسي من اعتراضات المنقبين على كيفية تحديد عيار الذهب وتسعيره، وحدود الاختيار بين منافذ الشراء.
وقد طالبت هيئات مهنية بإتاحة المنافسة بين شبابيك مرخصة، واعترضت على حصر البيع في منفذ محدد، معتبرة أن تعدد المشترين يوفر ضمانة أفضل للسعر.
وفي المقابل، أعلنت الحكومة في يونيو آلية لتسويق الذهب قالت إنها تضمن الحرية والشفافية والأسعار المنصفة، ضمن إجراءات تستهدف الحد من التهريب وتعزيز التداول عبر القنوات الرسمية.
ويظل الحكم على هذه الآلية مرتبطًا بتفاصيل تطبيقها:
السعر المرجعي، وطريقة تحديد النقاوة، والاقتطاعات، وآجال الدفع، وإمكان إعادة التعيير والاعتراض على النتيجة.
فالثقة في الشراء الرسمي تتطلب قدرة المنقب على فهم الحساب الذي حُدد بموجبه ثمن إنتاجه والتحقق منه.
ولا تكفي الشكاوى وحدها لإثبات التلاعب أو الخسارة؛ إذ يستلزم ذلك مقارنة عمليات بيع موثقة ونتائج تعيير وأسعار مرجعية.
لكن تكرر الاعتراضات يجعل نشر إجراءات البيع والتظلم ضرورة لمعالجة النزاع.
الآليات والعمالة.. وضوح القواعد شرط لتنظيم النشاط
تشمل المطالب المهنية تنظيم استخدام الآليات الثقيلة والاستفادة القانونية من العمالة ذات الخبرة.
وتتداخل في هذا الملف متطلبات الإنتاج وتأمين الآبار مع القيود المرتبطة بوضعية المواقع وشروط استغلالها.
ويحتاج المنقبون إلى قواعد تميز بين استخدام الآلات لإزالة الأتربة وتأمين مواقع العمل، واستخدامها لتوسيع الاستغلال، مع إجراءات ترخيص معلنة ورقابة فنية.
كما يستدعي ملف العمالة توضيح شروط الإقامة والعمل والتسوية، بما يضمن احترام القانون واستقرار النشاط.
البيئة.. رقابة تشمل مراحل الإنتاج والمعالجة والنقل
اتخذ الملف البيئي بعدًا إضافيًا في أكتوبر، حين حذر الاتحاد العام للمنقبين من مخاطر تسرب تربة وصفها بالملوثة أثناء نقلها بالتزامن مع الأمطار، وطالب بمعاينة الشاحنات ووقف النقل خلال التساقطات وتحديد المسؤوليات.
وتبقى طبيعة التلوث ومداه والأضرار المحتملة مسائل تحتاج إلى تحاليل ومعاينات مختصة.
غير أن التحذير يطرح ضرورة تتبع المخلفات منذ خروجها من مواقع المعالجة إلى نقلها وتخزينها، وتحديد التزامات كل متدخل.
وتقتضي حماية السكان والعاملين نشر نتائج الفحوص والرقابة، واتخاذ إجراءات تستند إلى المخاطر المثبتة، مع مساءلة المسؤول عن أي إخلال وفق دوره الفعلي.
مطالب مترابطة تنتظر حصيلة تنفيذ واضحة
تنتظم أبرز مطالب المنقبين حول ضمان مواقع عمل مستقرة، وتوفير الماء والعلاج والإنقاذ، وضبط الرسوم وكلفة الخدمات، وعدالة التعيير والتسويق، وتنظيم الآليات والعمالة، وإشراك الهيئات المهنية في القرارات المؤثرة على نشاطها.
ويمتد مطلب المشاركة إلى مراجعة الإطار التشريعي؛ فبين تأكيد الوزارة أن مشروع مدونة التعدين يشمل تطوير أحكام التعدين الأهلي، واعتراض نقابيين على مستوى حماية مصالح المنقبين، تبرز الحاجة إلى إتاحة النص ومناقشة ضماناته ومآخذ المهنيين عليه بصورة تفصيلية.
وتبقى مسؤولية الجهات المعنية تقديم حصيلة قابلة للتقييم: ما المواقع التي سُويت وضعيتها؟
وما الخدمات التي أصبحت منتظمة؟
وكيف تطورت كلفة العمل؟
وما نتائج إجراءات السلامة؟
وأي مسار متاح للمنقب عند النزاع على موقعه أو رسومه أو قيمة إنتاجه؟
فعدالة تنظيم التعدين الأهلي تُقاس بوضوح الالتزامات والحقوق، وبقدرة العامل على ممارسة نشاطه في شروط تحمي حياته وتتيح له عائدًا منصفًا.
وهذه هي المطالب التي تمنح الإصلاح معناه العملي في تيرس الزمور.



