أخبار إقليميةأخبار وتقاريرتحقيقاتمميز

الصحراء الغربية.. قنبلة ترامب التي ورثها بايدن..

الشـروق / من بين التحركات العديدة للسياسة الخارجية الأمريكية التي اتخذتها إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، في الوقت بدل الضائع من عهدته الرئاسية، والتي كان هدفها تقييد أيدي إدارة بايدن، كان الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية المتنازع عليها، في إطار اتفاق شمل أيضا تطبيع العلاقات الدبلوماسية المغربية مع إسرائيل، وهو ما شكل انتصارا معنويا للرباط التي تعتبر ملف الصحراء الغربية محور سياستها الخارجية. وما يمكن استخلاصه من التصريحات المتتالية لمسؤولي الخارجية الأمريكية، أنه لا وجود لنية التراجع عن الصفقة الثلاثية بين أمريكا والمغرب وإسرائيل، وأن إدارة الرئيس جو بايدن لن تغير موقفها من قضية الصحراء الغربية. رغم أن الكثيرين كانوا ينتظرون من إدارة بايدن أن تتراجع عن قرار فيه تعد صارخ على الأعراف الدولية. غير أنها وجددت نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي بين مطرقة وجوب احترام القانون الدولي وسندان وفائها لإسرائيل وحليفتها المغرب وإمكانية فشل الصفقة لو تعود إدارته إلى الحيادية. الشيء الذي يطرح السؤال لماذا لم تتراجع إدارة بايدن عن الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية المزعومة، رغم أنها ألغت العديد من قرارات الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب؟

 

لقد كان هذا الاعتراف من الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، تغيرا مفاجئا للموقف التاريخي للدبلوماسية الأمريكية تجاه الصحراء الغربية وهو الحفاظ على موقف محايد يتماشى والقرارات الأممية لمجلس الأمن الدولي وتقديم الدعم المتواصل لبعثة الأمم المتحدة “المينورسو”، على الرغم من الضغوط التي مارستها الحكومة المغربية على مر السنين لدعم محاولتها للسيطرة على الصحراء الغربية. كما أن تجاهل الولايات المتحدة للقانون الدولي وإعلانها أنها تعتزم فتح قنصلية في إقليم غير مستقل هي محطة صعبة يمر بها النظام الدولي يصعب التعامل معها، فهي تفضح ضعف القانون الدولي أمام المصالح الشخصية للدول العظمى.

 

اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء الغربية المزعومة خطوة لا تعزز السلام في منطقة المغرب العربي وشمال إفريقيا، على العكس إنما هي صب للزيت على النار. ويتفق معظم الباحثين في العلاقات الدولية على أن الصراع المغربي الصحراوي توسع إقليميا، وأن دعم أمريكا لمثل هذه السياسات سيخلق في المستقبل ارتباكا كبيرا عند التعامل مع أزمات كهذه، وأيضا الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الخارجية في النزاعات الإقليمية.

وقد أصر العديد من الأكاديميين وخبراء السياسة والنقاد على أن تواصل تبني إدارة بايدن سياسات ترامب في موضوع النزاع على الصحراء الغربية سيكون أمرا غير حكيم. ويؤكد جوزيف هدلستون، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة سيتن هول بنيو جيرسي الأمريكية، أنه “في نظر القانون الدولي، ما أقدمت عليه إدارة ترامب ولم تتراجع عنه إدارة بايدن لا يغير في القضية شيئا، ولا توجد دولة ذات سيادة مهما كانت قوتها ولو كانت الولايات المتحدة نفسها تستطيع أن تقرر فحوى القانون الدولي.

ومنذ بداية هذا الصراع، فإن جبهة البوليساريو والجمهورية الصحراوية لديهما أساس قانوني ضامن لحق تقرير المصير”.كما أن عدم تراجع إدارة بايدن عن هذا القرار يؤكد التزام أمريكا بدعم المغرب في مشاريعه التوسعية بالصحراء الغربية. غير أنه على أرض الواقع تبين أن جهود فتح قنصلية أمريكية في الداخلة لا تملك أولوية دبلوماسية كبيرة في جدول أعمال إدارة بايدن للشرق الأوسط.

فمنذ توليه سدة الحكم، رسم بايدن خارطة طريق لمشاريعه المهمة في السياسة الخارجية الأمريكية، والتي تضمنت الانسحاب من أفغانستان، إنهاء الحرب في اليمن، وبدرجة أقل التركيز على ملفي العراق وسوريا، غير أن ملف النزاع على الصحراء الغربية لم يرد على تلك القائمة.

والدليل على ذلك أنه لم يقم أي من كبار المسؤولين الأمريكيين، في ظل إدارته، بزيارة مدينة الداخلة أو العيون المتنازع عليها. حتى أن تصريحات مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، جوي هود، عندما زار المغرب شهر جويلية الماضي، تشبه إلى حد كبير اللغة التي ألفناها عن الإدارات الأمريكية المتتالية قبل أن تعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، حيث قال إن بلاده “تؤيد بشدة جهود الأمم المتحدة من أجل تعيين مبعوث شخصي للأمين العام للصحراء الغربية بأسرع ما يمكن، ونحن على استعداد للمشاركة مع جميع الأطراف لدعم هذا المبعوث”.

من جهته، اعتبر العرش المغربي أن ما حققه هو انتصار دبلوماسي عظيم وأنه سيعبد الطريق لاعتراف قوى عالمية أخرى بمغربية الصحراء الغربية المزعومة. وقد كانت لرهان المغرب انعكاسات على المستوى الإقليمي، خاصة توتر العلاقات الثنائية الجزائرية المغربية وتردي علاقته مع إسبانيا وألمانيا وأيضا الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال لا الحصر.

إن الوضع الراهن قد تغير بشكل دائم، ومن غير المرجح أن تتراجع الإدارة الأمريكية الحالية عن قرارها بشأن الصحراء الغربية، لأن تكلفة تغيير المسار ستكون باهظة لسببين رئيسيين: أولا، موضوع الصحراء الغربية ليس أولوية عالية أو قضية أمن قومي للولايات المتحدة مقارنة بملفات أخرى شائكة. ثانيا، العلاقة مع المغرب مهمة جدا وتعتبر دولة حليفة وتجمعهما اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية وملف تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وكذا مناورات “الأسد الإفريقي”.

وقد وجد بايدن نفسه مجبرا على التعامل مع مخلفات إدارة ترامب السابقة وقرار الاعتراف باحتلال إقليم متنازع عليه، منتهكا القانون الدولي، خلافا لجميع القوى الكبرى الأخرى في العالم. والأكيد هو أن هيئة الأمم المتحدة لن ترضخ بسهولة للضغوطات المغربية والأمريكية وستواصل مسار تسوية النزاع حول الصحراء الغربية الذي بدأته منذ عقود.

وستتضح لنا الرؤية أكثر عندما تباشر نقاشات مجلس الأمن لتجديد مهام بعثة الأمم المتحدة “المينورسو” في الصحراء الغربية التي تنتهي بحلول 31 أكتوبر من العام الجاري.

حينها سنعرف الإجابة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحرج نفسها وتسعى لترجيح كفة المغرب؟ أم أن دول الاتحاد الأوروبي سترمي بثقلها لتحقيق نوع من التوازن وحماية القانون الدولي من جشع المصالح الشخصية للدول؟

 

حسام الدين بقاص

باحث في العلاقات الدولية بالولايات المتحدة الأمريكية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: