أخبار وتقاريرتحقيقاتمميز

طـريق الصحراء .. مسارات وشبكات الهجرة غير النظامية إلى أوروبا عبر موريتانيا

الشروق / لم يطل انتظاري في العاصمة الموريتانية لـ “الشيخ ولد الشيخ أحمد” كما قدم نفسه. أقبل علي باشّا حيث انزويت في “مقهى تونس” الشهير في نواكشوط. تظاهرت بأنني أود الوصول إلى أوروبا عبر طرق التهريب، فطمأنني بلهجة واثقة بأن ذلك متاح وسهل، وبأنه سيوصلني بطريقته إلى مدينة الناظور المغربية، وهناك ستصبح أوروبا في متناولي.

يكفي التواصل مع “شيخنا” -كما يلقبه الكثير ممن وصلوا أوروبا عن طريقه- والتنسيق معه عبر فيسبوك من أي مكان، لتضرب معه موعدا في نواكشوط، وهناك ترتب الرحلة إلى تخوم أوروبا عبر طريق قوافل الملح القديم، مرورا بـ 3 دول.

 

كان على الكثيرين من الراغبين في الهجرة السرية إلى أوروبا التوجه إلى الطريق الغربي (طريق الصحراء الكبرى) عبر موريتانيا بعد المتغيرات الحاصلة في ليبيا، وهناك تبدأ رحلة آلاف الكيلومترات قاطعة الحدود الدولية، من مهرب بشر إلى آخر مقابل آلاف الدولارات.

 

ويكشف هذا التحقيق، الذي استمر العمل عليه 7 أشهر، وانطلاقا من تجارب شخصية لمعد التحقيق وشهادات لاجئين خاضوا هذه التجربة الشاقة، تفاصيل عمليات وطرق التهريب انطلاقا من موريتانيا إلى المغرب عبر مالي والجزائر، وكيف يغنم المهربون ثروات طائلة.

مسار بديل

 

تشير البيانات الأخيرة -التي نشرتها وكالة حماية الحدود والسواحل الأوروبية “فرونتكس” (FRONTEX) للفترة بين سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الثاني 2018- إلى أن الهجرة عبر ليبيا قد انخفضت بنسبة 87%، وحلت تونس محل ليبيا بسرعة كمنطلق الرئيسي لمغادرة المهاجرين غير النظاميين الذين تم اكتشافهم على طول المتوسط، وقد أصبح الطريق الغربي (طريق الصحراء) انطلاقا من موريتانيا مقصدا للكثير من الباحثين عن اللجوء والهجرة غير النظامية.

 

وحسب “فرونتكس” تم تسجيل 300 عملية رصد لعبور غير نظامي غرب البحر الأبيض المتوسط في أبريل/نيسان 2021، بزيادة حوالي 70% عن نفس الشهر من عام 2020. كما بلغ إجمالي عمليات العبور بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2021 أكثر من 3200 عملية عبور، بزيادة 5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

 

أما عبر المحيط الأطلسي (من سواحل موريتانيا إلى جزر الكناري) فقد قدرت منظمة الهجرة العالمية أعداد المهاجرين خلال عام 2020 بأكثر من 5 آلاف وصلوا على متن 200 قارب، مشيرة إلى أن العدد تضاعف 10 مرات مقارنة بعام 2019.

 

يقول فيليب فرود الأستاذ المساعد بجامعة أوتاوا الكندية والمختص في تتبع مسارات الهجرة “المزيد من المهاجرين يذهبون إلى موريتانيا بسبب زيادة تشديد الإجراءات في النيجر. كما أن الوعي العام بمخاطر الذهاب إلى ليبيا قد ازداد، من خلال دور وسائل الإعلام وجهود المنظمة الدولية للهجرة، بما لا يشجع على الذهاب إليها”.

 

طريق ملتو وشاق

 

تبدأ الرحلة من العاصمة الموريتانية مرورا بمالي ثم الجزائر وصولا إلى المغرب وتحديدا مدينة الناظور (نحو 500 كلم شمالي العاصمة الرباط) ومن هناك يتم التسلل إلى مدينة مليلية الواقعة تحت الحكم الإسباني (قرابة 10 كيلومترات غرب الناظور) بطرق مختلفة، إما بالقفز من على سور ارتفاعه يتراوح بين 5-6 أمتار، أو السباحة بضعة كيلومترات أو محاولة عبور بوابة الميناء.

 

ويختار بعض المهاجرين الوصول إلى سبتة (الجيب الإسباني الآخر بالأراضي المغربية) والذي يطل على مضيق جبل طارق ويبعد نحو 385 كيلومترا عن مليلية، لكن ذلك قد يكلفهم مبالغ أكثر وانتظارا أطول لفرصة العبور.

 

تمتد الرحلة بين نواكشوط والناظور قرابة 3000 كيلومتر، وهي مسافة طويلة وعبورها شاق، ويقع جزء كبير منها عبر الصحراء، لكن “شيخنا” يجعلها سهلة أمام من يقصدونه من الراغبين في الهجرة.

 

يستفسر معد التحقيق “شيخنا” عن الطريق والمدة المفترضة للوصول، ليشرح بلغة الخبير أن الأمر مرتب بشكل جيد، لكنه يعتمد على حال الطريق، مضيفا أنه بعد حوالي 4 أيام سيصل إلى مدينة تمنراست الجزائرية (الواقعة في قلب الصحراء الكبرى وتبعد نحو1981 كلم جنوب العاصمة الجزائر).

 

يطمئنه بأنه سوف يستريح ليوم أو يومين عند أحد رجاله، ثم سيسافر بعدها إلى عين صالح (1300 كلم جنوب العاصمة الجزائر) حيث سينتظره “جمال” (اسم حركي لمهرب) ويأخذه إلى “ياسين” (اسم حركي لمهرب آخر) في غرداية (600 كلم جنوب العاصمة الجزائر) الذي سيوصله إلى الحدود مع المغرب، ليعرفه هناك إلى مهرب آخر سيأخذه إلى الناظور.

“كل شيء مرتب مئة في المئة” يؤكد شيخنا بلهجة الواثق.

 

على طول هذا الطريق تنتشر شبكة المهربين التي تعمل مع “شيخنا” وعلى المهاجرين غير النظاميين دفع مبلغ معين في كل نقطة وصول. يحصل “شيخنا” على 1600 دولار مقابل توصيل الراغب في الهجرة إلى تمنراست، وتبلغ التكلفة الإجمالية للرحلة حتى الناظور على تخوم إسبانيا 3250 دولارا و”على كل شخص أن يحصل على حقه” كما يؤكد “شيخنا”.

 

غالبا ما تكون ضمن جموع المهاجرين غير النظاميين عبر “طريق الملح” أعداد كبيرة من العرب: يمنيون وسوريون وسودانيون وفلسطينيون نسقوا مع “شيخنا” أو غيره من المهربين ووفدوا إلى موريتانيا نظرا لعدم اشتراط تأشيرة دخول إلى البلاد أو سهولة الحصول عليها، ومن هناك تبدأ رحلتهم. نجح بعضهم في الوصول إلى مبتغاهم بعد أشهر امتدت من أواخر عام 2018 وحتى يناير/كانون الثاني 2020 -كما تحدثوا في التحقيق- وفشل الكثيرون منهم، أو هم ينتظرون فرصتهم في الناظور للدخول إلى الأراضي الإسبانية.

 

يؤكد كورت ديبوف، مستشار رئيس الوزراء البلجيكي سابقا، أنه من الصعب جدا على الأوروبيين أن يفهموا معنى العيش في فقر مدقع في ظل الدكتاتورية أو تحت مطاردة أجهزة الأمن، وهي الأسباب التي تجعل الناس يفضلون سلك طرق خطيرة جدا للوصول إلى أوروبا. وبحسبه “لا توجد رؤية أوروبية الوقت الحالي لموضوع الهجرة غير النظامية، والرؤية الوحيدة هي إغلاق الحدود. أعتقد أنها إستراتيجية خطيرة جدا على المدى الطويل”.

 

أوروبا عبر الصحراء

 

مسار رحلة الشاب يعقوب من اليمن إلى أوروبا عبر موريتانيا (الجزيرة)

 

وصل الشاب اليمني يعقوب الرقيمي (26 عاما) إلى نواكشوط بناء على تجربة سابقة لصديق مقرب له يعمل طبيبا نجح في الوصول إلى إسبانيا بمساعدة “شيخنا”.

كان على طالب الطب في جامعة صنعاء قطع رحلة طويلة بدأها من اليمن إلى سلطنة عمان ثم ماليزيا التي لا تفرض تأشيرة دخول على اليمنيين، ومن ثم سيمكنه التفكير في خططه المستقبلية وهو في أمان، كما يقول.

 

دفعت الحرب المشتعلة في اليمن والأزمة الإنسانية المتفاقمة، وانسداد الأفق وهجرة معظم أفراد العائلة، يعقوب، إلى سلك طريق الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، عبر مسار ملتو وصعب ومكلف.

 

تقول سارة بريستياني، مسؤولة برنامج الهجرة واللجوء في الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان “ليست هناك نقطة دخول معينة لكل جنسية. يبحث الناس عن البلدان التي لا تشترط تأشيرات دخول، ومن هناك يحاولون الانتقال إلى المكان الذي يعتبرونه نقطة دخول إلى أوروبا”.

 

حجز يعقوب في رحلة طيران من كوالالمبور إلى نواكشوط، ومن ثم اتصل بالمهرب “شيخنا” الذي كان قد نال ثناء صديقه الذي عبر إلى إسبانيا حيث بر الأمان بفضله. وتم الاتفاق.

 

لم تكن رحلة يعقوب، كما زينها له صديقه، حيث قضى ورفاق من اليمن وفلسطين 4 أيام في الطريق من موريتانيا إلى مالي بدون طعام، وواجهوا الموت في الطرق غير المعبدة التي كان المهربون يقطعون بها سياراتهم المليئة بالمهاجرين غير النظاميين بسرعة كبيرة. وعلى جوانب الطريق كان مشهد السيارات المحطمة والكثبان الرملية اللامتناهية تبعث على الرعب من مآلات الرحلة.

 

عادة ما يحشر المهربون أعدادا من المهاجرين في سيارات أو شاحنات صغيرة تعبر الصحراء بين الدول دون توقف، يصلون فيها الليل بالنهار دون نوم أو راحة، ويستخدم معظمهم طرقا فرعية غير معبدة ووعرة، بعيدا عن رقابة الجيش وأجهزة الأمن، لذا عند العبور من مالي إلى الجزائر تم استبدال السيارات بأخرى تحمل لوحات جزائرية كانت في الانتظار.

 

يقول يعقوب “كانت هناك نقطة تفتيش في الطريق إلى تمنراست لذا تحول رجال شيخنا نحو طريق جبلي ولكنهم قاموا بابتزازنا وطلبوا من كل شخص 200 دولار إضافية”.

كان على يعقوب ورفاقه الاتصال بالمهرب “شيخنا” ورفض دفع أي أموال إضافية، فالاتفاق كان يقضي بدفع 1200 دولار فقط حتى تمنراست.

 

صانعو الآمال والآلام

 

رحلة إبراهيم من غزة إلى موريتانيا ثم أوروبا عبر مالي والجزائر (الجزيرة)

 

ينشط “شيخنا” على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، وبمراجعة الحساب الخاص به (3248 صديقا) وجدنا العديد من المهاجرين الذين وصلوا أوروبا عبر موريتانيا على صداقة معه، وأغلب هؤلاء المهاجرين من اليمن وفلسطين وسوريا، كما تفيد سيرهم.

 

“يعد تهريب البشر في موريتانيا نوعا من النفوذ السياسي” كما يقول فيليب فرود الباحث والخبير الكندي في شؤون الهجرة ومسارتها، كما أن هناك مسؤولين يستفيدون من أموال التهريب إضافة إلى المهربين -بحسبه- وهذا ما أكده إبراهيم سلطان الشاب الفلسطيني من غزة الذي رأى ذلك بأم عينيه في مطار نواكشوط، كما يقول.

 

يعيش سلطان حاليا في مدينة أنتويرب شمال بلجيكا، منتظرا البت في قرار اللجوء الخاص به.

وكان قد وصل أوروبا عبر نفس طريق الصحراء انطلاقا من موريتانيا، بعد أن حذا أيضا حذو صديق له كان قد وصل قبله إلى المغرب عبر مهرب آخر يدعى “عثمان”.

 

وتواصل الشاب الفلسطيني هاتفيا مع “عثمان” ثم غادر القاهرة على متن طائرة متجهة إلى نواكشوط. توقفت الرحلة “ترانزيت” في الجزائر، فعاود الاتصال بالمهرب الذي طمأنه وأخبره أن 10 فلسطينيين آخرين معه على نفس الطائرة سيخوضون نفس الرحلة.

 

يقول “تم استقبالنا بشكل مهيب في مطار نواكشوط من قبل شخص يعمل مع عثمان.

جاء إلينا كما لو أنه ضابط شرطة. ربما هو ضابط، أنا لا أجزم بذلك، لكن التسهيلات التي قدمت له ولنا لا يحصل عليها سوى الضباط، فهو يستطيع دخول أي مكتب في المطار وأفراد الشرطة يقبّلون يده. ختم لنا جوازاتنا نحن العشرة قبل أي مسافر آخر، كل من في المطار يتحرك خلفه. هذا لا يحدث لشخص عادي”.

 

يسلك “عثمان” بزبائنه نفس طريق قوافل الملح القديم المفضل للمهربين مرورا بمالي إلى تمنراست ثم المغرب. قرر معد التحقيق التواصل معه والتظاهر هذه المرة بأنه فلسطيني يود الوصول إلى المغرب للعبور إلى أوروبا. وتبادل معه الرسائل الصوتية عبر واتساب.

 

لم يأل “عثمان” جهدا في بث الطمأنينة لدى معد التحقيق، وأخبره بأن الكثير من الشباب الفلسطينيين وصلوا عن طريقه إلى المغرب، وأنه سيتابع مع الطريق خطوة بخطوة ويبذل قصارى جهده. وفيما انتهت رحلة معد التحقيق عند الرسائل الصوتية، لم تكن رحلة سلطان عبر مالي سهلة كما أوهمه “عثمان” بل كانت أقرب إلى الموت كل لحظة، كما يذكر هو بنفسه.

 

“عندما غادرت أخبروني أن الطريق آمن لكنه متعب، دون أن يذكروا مقدار ذلك التعب، إنه مميت. أنت في الصحراء الكبرى وليس لك سوى رحمة الله. المهربون يَدَّعوُن معرفتهم بالطريق، لكنهم يضلّونه”.

 

وللمهربين علاقات متشابكة مع رجال الأمن والجيش على الحدود في الدول التي تنشط فيها شبكات التهريب، مما يسمح لهم بالعبور، وهذا ما اكتشفه إبراهيم عند العبور من موريتانيا إلى مالي في سيارات وفّرها المهرب “عثمان”.

 

“مررنا بجانب الجيش على الحدود الموريتانية المالية ولم يوقفونا. لم أستطع أن أحدد هل هو الجيش المالي أو الموريتاني”. ما فاجأ إبراهيم أن المهربين كانوا مسلحين بعتاد كامل خلال الرحلة، قاذفات “آر بي جي” (RPG) ورشاشات “بي كي سي” (PKC) و4 قطع كلاشينكوف “بهذه الأسلحة تستطيع فتح جبهة ” كما يقول.

 

في إحدى الرسائل الصوتية بين معد التحقيق والمهرب “عثمان” يتباهى الأخير بالقوة والعلاقات التي يملكها ويقول “أستطيع إعطاءك أسماء شباب غادروا منذ أسبوعين وسيبلغونك بقوة علاقات عثمان. عليك أن تتأكد دائما من الشخص الذي ستغادر من خلاله”.

 

تمنراست.. ملتقى الطرق

 

تعد تمنراست (على حدود النيجر ومالي) مفترق الطرق لرحلات هؤلاء المهربين القادمين من موريتانيا إلى مالي عبر “غاو” (GAO ) -وهي عاصمة إقليم غاو شمال شرق مالي، وتبعد عن العاصمة باماكو نحو 1206 كيلومترات وحوالي 2200 كيلومتر عن تمنراست – أو هؤلاء القادمين عبر “أغاديس” (Agadez) وسط النيجر، التي تعد بوابة الصحراء وملتقى طرق المهاجرين من الدول المجاورة أو من عمق أفريقيا، وتبعد نحو 963 كيلومترا عن العاصمة نيامي و875 كيلومترا عن تمنراست، لتتواصل الرحلة في اتجاه المغرب للعبور إلى أوروبا.

 

في هذه المدينة الواقعة في قلب الصحراء، والتي تعد نقطة تجمع وعبور للمهاجرين غير النظاميين، لم تسر الأمور كما سمع إبراهيم من المهرب، فالأجواء كانت متوترة أمنيا بسبب مشكلة في مركز للاجئين هناك. ألقت الشرطة القبض عليه ورفاقه. ظلوا 10 أيام موقوفين ثم أطلق سراحهم بعد تعهدهم بمغادرة البلاد خلال أيام.

 

محضر ضبط يعقوب من قبل الشرطة الجزائرية أثناء مروره بتمنراست (الجزيرة)

 

كان يتوجب على إبراهيم ورفاقه العبور إلى مدينة وجدة المغربية قبل أن تنتهي المهلة، وتبلغ المسافة الأقصر بينها وتمنراست نحو 2000 كلم، لكنهم سلكوا طريقا أخذهم إلى مدينة “عين صالح” (1350 كيلومترا عن وجدة)، أين أوقفوا من قبل الشرطة لساعات ثم تحركوا إلى مدينة “البليدة” (565 كلم عن وجدة) التي مكثوا بها أسبوعا ومنها إلى “وهران” (266 كلم عن وجدة) ثم تلمسان (107 كيلومترات عن وجدة).

 

في تلمسان تواصلوا مع مهرب جزائري أخذهم إلى قرية متاخمة للحدود المغربية، مكثوا فيها 3 أيام ثم ساروا بعدها نحو الحدود لمدة 9 ساعات وتمكنوا من عبور الخندق الحدودي نحو وجدة، وهناك أخذتهم سيارة نحو المدينة ثم سيارة أخرى إلى مدينة الناظور (136 كيلومترا عن وجدة).

 

على الجانب الآخر، واجه يعقوب ورفاقه الصعاب في تمنراست، فبعدما توجهوا لركوب الحافلة التي ستقلهم إلى الحدود المغربية، ألقت الشرطة القبض عليهم، وأوقفوا لمدة 5 أيام ثم حصلوا على وثائق تسمح لهم بالبقاء في الجزائر لمدة 11 يوما فقط ثم المغادرة.

تعرف يعقوب في مركز الإيقاف على 27 يمنيا كانوا سيسلكون نفس الطريق إلى الناظور وعدد آخر من العرب وغيرهم من عابري الصحراء إلى “الجنة الأوروبية” كما كان الجميع يتصورها ويتحدث عنها.

 

“توجه يعقوب ومن معه إلى مدينة مغنية (تتبع ولاية تلمسان في أقصى الغرب الجزائري) حيث تواصلوا مع مهرب أخذهم إلى الحدود المغربية ومن هناك عبروا الخندق الحدودي لتلقي الشرطة المغربية القبض عليهم وتم استجوابهم وحبسهم لمدة يومين في مدينة وجدة، ومن ثم أعيدوا إلى الجزائر سيرا على الأقدام مع تحذير شديد بمعاقبتهم في صورة العودة.

 

دفع يعقوب 1200 دولار إلى المهرب، ولكن بعد أن ردتهم الشرطة المغربية على أعقابهم، لم يرجع لهم سوى 200 دولار، بعدها تواصل مع مهرب آخر دفع له 1400 دولار، وأسكنهم في منزل على الحدود لمدة 10 أيام في انتظار لحطة التحرك. قام المهرب بترتيب العبور عبر طريق جبلي وعر.

 

“كان هذا الطريق شاقا جدا، وكنا نسير من المساء إلى الفجر، في الخامسة صباحا وصلنا إلى قرية كانت تنتظرنا فيها سيارة مغربية. تخيل 11 أو 12 شخصا بالإضافة إلى السائق قد حشروا في سيارة أجرة صغيرة!” يقول يعقوب.

 

في هذه الرحلة، توجب على المهربين القيادة بسرعة كبيرة للهروب من مطاردة الشرطة، وما إن وصل يعقوب ورفاقه إلى البيت الذي وفره المهرب في وجدة حتى أشهر مهربون آخرون معه الأسلحة في وجوههم وطالبوهم بدفع 200 دولار إضافية بدعوى تضرر السيارة بسبب مطاردة الشرطة، وعندما امتنع يعقوب ورفاقه متعللين بنفاذ أموالهم أخذ المهربون هواتفهم عنوة.

 

يقول يعقوب “الشيء المحزن خلال هذه التجربة كان الاستغلال الكبير لنا، لم نكن نشعر بالأمان على أنفسنا وأموالنا، المهربون يخاطرون بنا وبحياتنا، فلا قيمة لها عندهم” .

 

توقع “يعقوب” و”إبراهيم” وغيرهما من عابري الصحراء الكبرى إلى أوروبا مشاق هذا الطريق، لكنهم لم يدركوا تماما خطورته، ووفقا لأرقام نشرتها منظمة أطباء بلا حدود، عبر على مدار عام 2020 بأكمله أكثر من 23 ألف مهاجر الصحراء في اتجاه منافذ مختلفة إلى أوروبا. ويتعلق الأمر بالحالات التي تم كشفها، حيث إن العشرات أو المئات قد يموتون أو يقتلون قبل الوصول إلى المنفذ دون أن يعلم بهم أحد.

 

وذكرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين ومركز الهجرة المختلطة التابعة للمجلس الدانماركي للاجئين في تقرير نشر في يوليو/تموز 2020 تحت عنوان “في هذه الرحلة لا أحد يهتم إن بقيت حيا أو مُتّ” أن الموت والفظائع يرافقان المهاجرين الذين يسافرون عبر أفريقيا أملا في الوصول إلى أوروبا.

 

ويشير التقرير إلى أن 1750 مهاجرا لقوا حتفهم على الطرق البرية داخل أفريقيا خلال العامين الماضيين. وتوفي أكثر من 2500 عبر المسار البحري انطلاقا من ليبيا، وتبقى هذه الأرقام تقديرية، ويفترض أن عدد الضحايا أكبر من ذلك.

 

 

 

من جانبها ذكرت منظمة “كاميناندو فرونتيراس” (Caminando Frontiras) الإسبانية، التي تراقب تدفقات الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، أن 2078 مهاجرا لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى إسبانيا عبر المحيط الأطلسي (إلى جزر الكناري) الأشهر الستة الأولى من عام 2021، ويكون العدد بذلك قد تضاعف 5 مرات مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

 

الناظور بوابة إسبانيا

 

مهاجران أفريقيان يطلان على مدينة الناظور الساحلية مقصدهم الرئيسي بطريق الهجرة إلى أوروبا (أسوشيتد برس )

 

يربط طريق غرب المتوسط المغرب بإسبانيا عبر مدينتي سبتة ومليلية الواقعتين تحت السيطرة الإسبانية. عام 2015 تم رصد 7004 حالات عبور غالبيتهم من غينيا والجزائر والمغرب، ثم ارتفع العدد عام 2016 إلى 9990 بزيادة 38%، ووصل إلى 23063 عام 2017 وتضاعف عام 2018 إلى مستوى قياسي بلغ 57034 حسب تقارير “فرونتكس”.

 

وفي تقريرها الصادر عام 2019، ذكرت الوكالة أن طريق غرب البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا أصبح الأكثر استخداما، مشيرة إلى أن المغرب أصبح نقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا، وأن معظم المهاجرين على هذا الطريق يأتون من بلدان جنوب الصحراء الكبرى. ويشكّل المهاجرون القصّر، أو الذين يزعمون ذلك، نسبة 9% منهم.

 

ووقع المغرب وإسبانيا اتفاقية للهجرة سنة 1992، وتقضي باحترام حدود البلدين وبإعادة المهاجرين غير النظامين الذين استعملوا تراب أحدهما للوصول إلى البلد الآخر.

 

وتوترت العلاقات بين البلدين في مايو/أيار الماضي بعيد عبور آلاف المهاجرين إلى سبتة، ووصفت مدريد الأحداث بأنها “أزمة خطيرة لإسبانيا وأوروبا” ودعت المغرب إلى احترام التزاماته، وما زالت الأزمة تخيم على العلاقات بين البلدين.

 

في مدينة الفنيدق المتاخمة لسبتة (نحو 7 كيلومترات فقط) يرابط آلاف المهاجرين في انتظار فرصة العبور، وكذلك في مدينة الناظور (نحو 16 كلم عن مليلية). يقول يوسف -يفضل عدم ذكر لقبه- وهو يمني آخر خاض الرحلة ويقيم حاليا في بروكسل “عندما تصل إلى الناظور، لا تبحث عن مهرب، فهم يأتون إليك في المقاهي.. الأمر أشبه باصطياد الفريسة”.

 

فهذه المدينة بوابة العبور إلى أوروبا، وهناك طرق مختلفة متعارف عليها وأخرى يبتدعها المهربون للعبور، إحداها الحصول على جواز سفر لشخص مغربي شبيه من مدينة الناظور والمناطق المجاورة والذين يسمح لهم بالدخول بجواز السفر فقط، في حين تشترط تأشيرة على معظم المغاربة، ولا تخول لهم في كل الحالات العبور إلى إسبانيا. وهذا ما فعله سلطان بعد الانتظار 3 أشهر ونصف الشهر في الناظور.

 

دفع إبراهيم 800 دولار لمهرب محلي وفّر له جواز سفر لشخص من الناظور كان يشبهه فعلا إلى حد بعيد، وبعد دخوله مليلية سلّمه، حسب الاتفاق، إلى شخص داخل مركز اللجوء ليعيده إلى المهرب ليبيعه أو يؤجره إلى آخرين.

 

أولئك الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف جواز السفر، مثل يعقوب، لديهم خيارات أكثر خطورة. فهناك 3 بوابات في ميناء الناظور الأولى بوابة “بني أنصار” للمسافرين والسيارات، والثانية للبضائع، والثالثة للعمال. لكن هذه البوابات تحت حراسة مشددة. حاول يعقوب العبور من خلالها جميعا عدة مرات كثيرة، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل.

 

“طوال شهرين، كنت أحاول كل يوم العبور. أنام في الغابة بجوار بوابة بني الأنصار، في الليل أسبح مسافة 5 إلى 6 كيلومترات، في الفجر أحاول القفز من على السور، وخلال النهار أحاول من بوابة العمال والبضائع”.

 

لم ييأس الشاب اليمني رغم خيبات الأمل المتتالية، في إحدى المرات رأى شخصا يعمل مع المهرب فطلب منه المساعدة في رفعه على السور، ففعل، وقفز “لقد كان الموقف مثل ومضة حلم، فعناصر الشرطة المغربية كانوا يراقبونني لكنهم لم يتحركوا بسرعة وعندما هم أحدهم باللحاق بي أسرعت حتى دخلت البوابة الإسبانية، وحاولت الشرطة الإسبانية إيقافي، لكن موظفة من مركز اللجوء جاءت وأخذتني إلى الداخل”.

 

ظل يعقوب بمركز اللجوء في مليلية لمدة 50 يوما ثم نُقل إلى فالنسيا (إسبانيا) ومنها استقل الحافلة مع آخرين إلى بلجيكا. كلفت هذه الرحلة الشاب اليمني نحو 6 آلاف يورو (نحو 7000 دولار) والكثير من المشقة والرعب، لذلك لا يشجع أحدا على خوض هذه التجربة القاسية، وألا يضع أحد ثقته في المهربين الذين يرون المهاجرين عبارة عن أشياء يتم تهريبها دون اكتراث، كما يقول.

 

“الكثيرون ممن خاضوا هذا الطريق يمرضون ويموتون أو يُصابون بكسور أو أمراض نفسية في مطلق الأحوال. تخيل أنك تموت وتَحيا مرات عدة عند عبور الطريق. الموت الأول بالنسبة لي كان في مالي والموت الثاني عندما أرجعتنا السلطات المغربية على أقدامنا إلي الجزائر”.

 

ثروات طائلة للمهربين

 

حالات العبور غير النظامية (2019-2020) حسب إحصائيات وكالة حماية الحدود والسواحل الأوروبية (الجزيرة)

 

حسب تقرير “فرونتيكس” دفع المهاجرون خلال عام 2017 والنصف الأول من عام 2018، ما بين 500 يورو (600 دولار) و1000 يورو (1200 دولار) لكي يتم تهريبهم من الجزائر إلى إسبانيا، وما بين 1000 يورو و2000 يورو من المغرب إلى إسبانيا. لكن منذ منتصف 2018 ارتفعت مبالغ التهريب على طريق غرب البحر المتوسط، وفي الربع الأخير من عام 2019 وصلت تلك المبالغ إلى 3000 يورو (3650 دولارا) للفرد”.

 

وبناء على هذه المعطيات وأعداد المهاجرين التي رصدت على طريق غرب البحر المتوسط يمكن تقدير الأرباح التي حققتها شبكات تهريب الأشخاص العاملة بالمغرب عام 2017 إلى ما يقرب من 35 مليون يورو (42.5 مليون دولار) لترتفع إلى ما يقرب من 105 ملايين يورو (127.5 مليون دولار) عام 2018.

 

ووصل الرقم الإجمالي لأرباح المهربين على هذا الطريق بداية من موريتانيا وصولا إلى المغرب والعبور إلى مليلية إلى 50 مليون يورو (61 مليون دولار) كما ذكر تقرير يوروبول (الشرطة الأوروبية) الصادر في فبراير/شباط 2020، كان نصيب المهربين في المغرب منها 19 مليون يورو (23 مليون دولار) هذا دون احتساب ملايين أخرى قد يكون المهربون قد حصلوا عليها من مهاجرين لم يصلوا أبدا إلى الناظور.

 

حالات العبور غير النظامية إلى أوروبا (2020-2021 ) حسب إحصائيات وكالة حماية الحدود والسواحل الأوروبية (الجزيرة)

 

ووفقا لأرقام “فرونتكس” عبر 7800 مهاجرا غير نظامي إلى أوروبا في أبريل/نيسان 2021، ليكون المهربون بذلك قد غنموا 23.4 مليون يورو (28.4 مليون دولار) -على اعتبار أن كل مهاجر دفع 3000 يورو كمعدل وسطي للرحلة وفق التقديرات السابقة- أما في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2021 التي شهدت عبور 36100 مهاجرا، يكون المهربون قد كسبوا 108.3 ملايين يورو (131.5 مليون دولار)، أي نحو 394 مليون يورو (477 مليون دولار) خلال عام، إذا استمرت نفس معدلات تدفق المهاجرين.

 

في هذا التحقيق وبناء على المعلومات التي حصلنا عليها راسلنا وزارة الداخلية الموريتانية مرتين لسؤالهم عن الشبكات الناشطة في تهريب المهاجرين بالبلاد، لكننا لم نتلق أي رد منهم إلى حتى إعداد هذا التحقيق للنشر.

 

على المستوى القانوني في موريتانيا، يفرض القانون رقم 025/2003، الصادر بتاريخ 17 يوليو/تموز 2003 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، والقانون الصادر بتاريخ 10 فبراير/شباط 2010 المتعلق بمكافحة تهريب المهاجرين غير الشرعيين المتورطين، بعقوبة لا تقل عن 5 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات.

 

لكن ولأسباب مختلفة، يتناسل المهربون مع تزايد أعداد الوافدين من المهاجرين غير النظاميين إلى البلاد، خصوصا من الجنسيات العربية بحثا عن فرصة الوصول إلى الناظور عبر الصحراء أو إلى جزر الكناري عبر المحيط الأطلسي.

 

حصل يعقوب علي قرار اللجوء في بلجيكا، في حين ينتظر سلطان البت في إجراءات اللجوء التي عطلتها أزمة “كوفيد-19″ وهما يحاولان بدء حياة جديدة بعيدة عن الحروب التي دمرت بلديهما. وفي المقابل ينتظر العشرات وربما المئات فرصة الوصول حتى إلى تخوم أوروبا عن طريق” شيخنا” أو “عثمان” أو مهربين آخرين ينتشرون في بلدان الساحل والصحراء لاقتناص أحلام المهاجرين وتغذية أوهامهم بالنعيم الأوروبي.

 

إشراف: زهير حمداني

 

المصدر : الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: