أخبار وتقاريرتحقيقاتمميز

تهريب الذهب: هل موريتانيا استثناء؟

الشروق / جاء في خطاب الوزير أمام البرلمان “خلال سنة 2020، أنتج الاستخراج الحرفي للذهب 5.600 كيلوغراما بقيمة تزيد على مليار أوقية وخلق 45 ألف فرصة عمل مباشرة وأزيد من 97 ألف فرصة عمل غير مباشرة.” لا شك أن هناك خطأ في هذه الأرقام فمعدل سعر الذهب في 2020 هو 1867 دولارا للأونصة مما يعني أن قيمة 5600 كلغ هي حوالي 368 مليون دولار أي 129 مليار أوقية قديمة (13 مليار جديدة بدل المليار الوارد في خطاب الوزير الأول). هذا التضارب في الأرقام ذكرني بتحقيق نشرته رويترز في العام 2019 عن الذهب الإفريقي.

 

توصل تحقيق وكالة رويترز للأنباء عن الذهب الإفريقي إلى خلاصة مفادها أنه يتم تهريبه بالمليارات إلى مدينة دبي.

 

التحقيق أشار إلى أن الواردات الإماراتية من الذهب الإفريقي ارتفعت من 1.3 مليار دولار في عام 2006 إلى 15.1 مليار في سنة 2016. التحقيق اعتمد على المعطيات المتوفرة من خلال قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتبادلات التجارية comtrade. تحوي قاعدة البيانات هذه على معطيات التبادلات التجارية لأكثر من 170 دولة. تقوم هذه الدول وبصفة طوعية بمشاركة تفاصيل وارداتها بما فيها البلد المصدر، وكذلك تفاصيل صادراتها بما فيها البلد الوجهة.

 

رويترز قامت بمقارنة ما صرحت الدول الأفريقية المشمولة في التحقيق (ليس من بينها موريتانيا) بأنها صدرته من الذهب إلى الإمارات مع ما صرحت الإمارات بأنها استوردته من هذه الدول. وقامت رويترز بمعالجة المعطيات بين 2006 و 2016، وتوصلت إلى ما يلي:

 

1. واردات دولة الإمارات من الذهب الأفريقي ارتفعت من 67 طنا عام 2006 إلى 446 طنا لعام 2016.

 

2. معطيات الجمارك الإماراتية ‏لـ2016 تشير إلى استيرادها للذهب من 46 دولة إفريقية، ‏بينما تشير معطيات قاعدة بيانات الأمم المتحدة comtrade إلى أن 21 دولة فقط صرحت بتصديرها الذهب إلى الإمارات.

 

 

3. المعطيات الإماراتية تشير إلى استيراد 15 مليار دولار من الذهب من القارة الإفريقية، في المقابل لم يتجاوز ما صرحت به الدول الافريقية 7.5 مليار دولار. إذن نصف الذهب المصدر من القارة الأفريقية إلى الإمارات لم يسلك القنوات الرسمية.

 

4. الدول الأكثر تضرر هي: مالي، تانزانيا، غانا، توغو، كامرون، وبنين.

 

ماذا عن موريتانيا؟

 

في العام 2012 بدأت حمى الذهب في موريتانيا وتوجه الكثيرون إلى استخراج الذهب “السطحي” لذلك ارتأينا أنه من المناسب معالجة بيانات التبادل التجاري بين موريتانيا والإمارات ابتداءً من هذه السنة.

 

قمنا باستخدام نفس قاعدة البيانات المذكورة أعلاه، وباتباع نفس المعالجة التي قامت بها رويترز، وقد توصلنا إلى ما يلي:

 

 

حسب بيانات الجمارك الإماراتية فان واردات الذهب من موريتانيا بين عامي 2012 و2018 بلغت 6141 كلغ من الذهب، ووصلت قيمتها إلى 210 مليون دولار. في المقابل فإن الكمية الواردة في البيانات الموريتانية هي أقل بكثير إذ لم تتعد 871 كلغ (أي فقط 15% مما صرحت جمارك دبي بأنه وصلها)، بقيمة 26 مليون دولار.

 

كيف يمكن تفسير غياب ما قيمته 184 مليون دولار من البيانات الموريتانية؟

 

هناك تفسيران أساسيان محتملان:

 

– التفسير الأول: هو نقص أو عدم دقة البيانات الموريتانية فيما يخص مادة الذهب. لكن هناك ما يصعب الأخذ بهذا التفسير وهو كون نتائج نفس المقارنة بين البيانات الموريتانية والسويسرية (التي هي الوجهة الأساسية لذهب تازيازت) تظهر فارقا أقل بكثير من المقارنة مع الإمارات. ففي الفترة ما بين 2012 و2018 تظهر البيانات الموريتانية تصدير 50 طنا (حوالي مليار وتسع مائة مليون من الدولار) من الذهب إلى سويسرا بينما أظهرت البيانات السويسرية استيراد 54 طنا (مليارين وأربعة وتسعون مليون دولار). إذن فرق 7 إلى 8 في المائة في الحالة السويسرية، وهي فوارق يمكن تفسيرها، مقارنة مع 85 إلى 87% في الحالة الإماراتية.

 

– التفسير الثاني: هو بكل بساطة أن هناك عمليات تهريب للذهب وهذ التفسير هو ما رسا عليه التحقيق الذي قامت به رويترز.

 

معلومة أخرى استوقفتني خلال جمعي لهذه البيانات وهي تصديرنا لـ713 كلغ (حوالي 36 مليون دولار) من الذهب لمملكة سواتيني في جنوب القارة الإفريقية. سوازي لاند أو إسواتي كما قرر الملك تسميتها مؤخرا، بعكس دبي، ليست وجهة معروفة للذهب. هي مملكة تعاني الفقر والفساد وتحوم حولها شبهات كثيرة كملجإ لأموال الثراء غير الشرعي.

 

ختامًا، أرجوا أن تكون الحالة الموريتانية استثناء لما تشهده القارة الإفريقية من تهريب للذهب و أن يسعفنا من لديه تفسير لهذه الفوارق، من المسؤولين أو من غيرهم، بما يرفع اللبس. كما أغتنم هذه الفرصة للتذكير بأهمية توفير المعلومات عن النشاط المعدني، وتسهيل الحصول عليها. لقد اتخذت موريتانيا في أيلول 2005 قرارا مهما بانضمامها لمبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية، إلا أنه وإلى اليوم هناك صعوبات كبيرة في الحصول على المعلومة. على سبيل المثال لم أستطع الحصول على أرقام التعدين الحرفي لا في موقع البنك المركزي ولا موقع وزارة المعادن ولا موقع مكتب الإحصاء. كل استراتيجيات النهوض بقطاع الصناعات الاستخراجية محكوم عليها بالفشل إن لم تبدأ بالشفافية.

المهندس الموريتاني الشيخ شكرود محمد صالح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: