الأخبار

رؤية لإصلاح الصـــــــحافة

الشــروق / لم يعد يخفي على أحد مستوى الفساد الذي وصلت إليه الصحافة في بلادنا ، كما لا يفوت على أي كان ضرورة الاستجابة للدعوات الملحة والمتكررة – التي تظهر بين الفينة والأخرى مطالبة بإصلاح الحقل وتنقيته – بصرف النظر عن مصدرها وتوقيتها .

ومن البديهي هنا أن نشير إلي أنه لا مجال لأي إصلاحي مؤسسي ولا سبيل إلي أي تنمية منسجمة ومتناغمة تأخذ البعد الإنساني والهم الوطني في ظل غياب صحافة تحترم ذاتها أولا ، وتسعي لتكريس قيم وثوابت أمتها في أدق تفاصيلها الجوهرية ، مع ما يترتب علي ذلك من قدرة فائقة على استحضار الماضي – في بعديه (البعيد والقريب) – وقراءة الحاضر بشيء من الروية والتبصر واستشراف معالم مستقبل لا يخلو من بواعث قلق تستدعي منا جميعا اليقظة والحيطة في التعامل مع الكلمة والصورة .

ولعلنا جميعا متفقون على أن التحكم في مسار الأحداث والقدرة على توجيه الفعل تمر حتما بمصفاة الرأي العام الذي يحتاج تشكيله وتوجيهه وتسيره بالضرورة إلي إعلام ناضج ومسؤول قادر على التأثير الايجابي بعيدا عن المنزلقات التي تفقد العمل الإعلامي جاذبيته وألقه ومن ثم تحد من أدائه الخادم وتجعله عرضة للاصطفاف في خنادق معادية تضرب الوطن من تحت الحزام وتشتت كل إرادة وجهد يستهدف الإصلاح والخروج من دائرة اللا وجود والعدمية التي ظلت تشكل أبرز السمات الأساسية لملامح الفعل الموجه في هذه البلاد  !!!

صحيح أن مرحلة الولادة كانت عسيرة ولم تكن طبيعية بالمرة وأن الغرفة لم تكن مجهزة ومهيأة بما يكفي لاستقبال مولود بحجم الإعلام في مجتمع  حديث العهد بالصراعات الأيدلوجية ولا تزال تتجاذبه النعرات القبلية والعرقية والجهوية والطائفية …  وتجلس على أكمامه مجموعات تسير في نسق حراك إقليمي لا تخلو جهة أو ناحية أو منطقة من خيط ناظم ومتصل يشدها إليه وربما رأت فيه ذاتها أكثر من ما هو محلي .

وصحيح كذلك أن القائمين على الجهاز التنفيذي في ذلك الوقت ، أي وقت الولادة – أو ربما لاحقا أيضا – أرادوا لهذا الوليد أن يعيش بقية حياته معوقا وغير قادر على تجاوز مرحلة النشوء حتى لا تتسنى له القدرة على خلق رأي عام قادر على التأثير في مسار الأحداث ومجريات الأمور ، وظل اهتمامهم به محصورا في دائرة الاستغلال واستدرار المنافع وتبرير وجود ديمقراطية عرجاء بوجود إعلام معوق … بعد أن حكموا على الصحافة بالموت السريع والفشل المرير من خلال منع المال الخاص عن الاستثمار فيها وربطها بمساعدات تقدم من طرف دوائر تابعة للسلطة ويتم تسييرها بمبدأ كن معي أكن معك بقدر ما أوريد أو كن ضدي أمنعك مما تريد ، منطق يبدو أنه لا يزال سائدا حتى كتابة هذه السطور… ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد فقد عمدت الأنظمة المتعاقبة في هذا البلد إلي تفريغ الصحافة من معناها وإسقاط هيبتها ورمزيتها وإخراجها من دائرة التأثير بجعلها منطقة التقاء بين ما هو كائن وموجود لكنه بحاجة إلي الرعاية والمساعدة والتأطير والتكوين وبين ما هو زور يراد له أن يكون فلا يستطيع وبين أجسام غريبة مستوردة ومستعارة من كواكب أخري مهمتها وهدفها تشويه الصورة الخارجية للإعلام وجعلها عصية على الفهم والتميز لما تعج به من أشكال وألوان سيئة و متنافرة تعطي الانطباع بفشل ريشة رسامها وسوء نيته ….

ومن المهم كذلك الإشارة هنا إلا أن رجال الأعمال ورجال السياسة لم يبذلوا كبير جهد لإخراج الصحافة من مأزقها بل تواطؤا مع الأنظمة الحاكمة في تميع الإعلام وجعله محل تندر وسخرية الكل واستفادوا من إبعاده عن دائرة التحقيق والمتابعة من خلال شغله بصراعات داخليتي لا تخدم سواهم .

ولعله من المنصف كذلك القول بأن للصحافة أيضا  دور كبير في ما عرفه القطاع من فساد ظهرت تجلياته في أمور عدة قد لا يتسع المقام لذكرها ، كما أن الخوض فيها قد يعيدنا إلي نقطة البداية الأمر الذي لا نريده …

لكن كل ذلك لم يمنع أصحاب البصيرة من رؤية الخطر المترتب على فساد الإعلام وضرورة إعادة النظر في مساره وتصحيحه فكانت تظهر بين الحيين والأخر مشاورات ولقاءات وتبرز دعوات للإصلاح لكنها ظلت في معظمها خجولة ومرتبطة بأحداث منتظرة أو أخرى مطلوبة فلم تستطع أن تعطي نتائج ذات قيمة ، بل إنها أربكت الساحة وساهمت بشكل أو بأخر في إعطاء الانطباع بعدم الجدية في كل إصلاح يستهدف الصحافة مما أدي إلي تقاعس الكثير من المهتمين بقضايا القطاع عن متابعته …

وتأسيسا على ما سبق فإن أي رؤية لإصلاح القطاع يراد لها أن تكون ناجعة لابد أن تتجنب أي إقصاء أو تهميش وتأخذ في الاعتبار المسائل التالية بوصفها معوقات يجب إزالتها وتحيدها كي لا تعترض الطريق لاحقا :

 

مقترحات تتعلق بتنظيم وتسيير الأشخاص

 

لقد أدي فشل العديد من الشباب في الحصول على فرص عمل إلي ولوج حقل الصحافة للاستفادة من جو البطالة المقنعة الذي توفره كما جلب فتات التمويلات إليها العديد من العاملين في قطاعات أخري وهو ما زاد من مأساة القطاع وشوش على كل الخطط الإصلاحية التي تستهدفه لذا كان لابد من تشخيص الحالة العامة ووضع تصور يساهم في إيجاد حل يرضي ولا يقصي ، وهنا نقول بتحويل مؤسسات الرقابة وهيئات المتابعة إلي جهات تشغيل لامتصاص البطالة والتحكم في هذا الجمع البشري والاستفادة منه على أحسن وجه ، ومن الوارد جدا كذلك المطالبة بخلق مؤسسات تمويل تقدم قروضا ميسرة لأصحاب المقولات الإعلامية تساعد على جودة وتوفر المنتج الإعلامي وتضمن تسويقه وتتيح الفرصة أمام الراغبين في الاستفادة من الاستشارات الإعلامية والخدمات المرتبطة بذلك من الحصول على مبتغاهم وتحد من الفوضوية الناتجة عن مجانية المساعدات والتمويلات .

ولعله من نافلة القول إن ربط المنتمين للحقل بنشاط يومي دائم يتيح لهم فرصة تطوير مهاراتهم وخبراتهم يمكن كذلك من التحكم في كم المعلومات الهائلة التي يتحصل عليها هؤلاء ومن ثم يساعد في اقتصادها وعقلنة تسيرها .

–        إن معظم المرتبطين بالحقل من غير الصحفيين إما عاطلون عن العمل يجب إحصائهم وتوفير فرص عمل لهم تناسب قدراتهم خارج الحقل أو تذويبهم داخله وتوفير فرص عمل دائمة لهم تمنعهم من الممارسات غير الأخلاقية

–         أصحاب مواهب وليست لديهم شهادات يجب إفساح المجال أمامهم من خلال التكوين في مدرسة الصحافة وتوفير فرص عمل دائمة لهم وينطبق الشيء نفسه على أصحاب التجربة من غير خرجي المعاهد والكليات الإعلامية

–          موظفون في قطاعات أخري يجب إحصائهم والتأكد منهم وتخيرهم بين العمل في القطاع بنفس المرتبات والامتيازات السابقة مع التكفل بتكوينهم للمساهمة في الحد من الازدواج الوظيفي.

–         متعاقدون أو متعاونون مع مؤسسات عامة أو خاصة يجب اكتتابهم بطريقة رسمية توفر لهم كافة حقوقهم وتضمن لهم مستقبلا كريما

–         أصحاب مقاولات إعلامية أو مرشدين يجب تنظيمهم في إطار موحد يمكن من دعمهم ومساعدتهم والاستفادة من خدماتهم وتعميمها على المؤسسات المحلية ، تكوينهم على تقديم الدراسات والاستشارات الإعلامية

–         اعتماد معاير ثابتة ومنصفة للترقية داخل المؤسسات الإعلامية والاستفادة من مأموريات السفر والدورات التكوينية وكل الامتيازات ويستحسن أن تجري قرعة دائمة تحدد الأشخاص محل الاستفادة والشيء نفسه ينطبق على الاستفادة من نشاطات الرئيس ومقابلاته

 

 

 

مقترحات تتعلق بمؤسسات الرقابة والتمويل

 

تعاني الصحافة في بلادنا من معوقات جوهرية تتعلق في الأساس بقلة التمويلات وعدم شفافية تسير الموجود منها ويعود السبب المباشر وراء ذلك إلي نفوذ بعض الإعلاميين واصطفافهم الدائم مع الأنظمة والاستئثار بما هو متاح دون الرجوع إلي معاير تفضيلية مستساغة وهو ما يستدعي اتخاذ تدابير جديدة ومنصفة لذا نتقدم بجملة المقترحات التالية :

 

–         توسيع صلاحية ” الهابا ” لتشمل رقابة ومتابعة ومساءلة المؤسسات الإعلامية ومراقبة سلوك العاملين في القطاع .

–          تشكيل هيئة دائمة تسند إليها مهمة تسيير ورقابة التمويلات الموجهة للإعلام ويعهد بتسييرها إلي قضاة ومحلفين من خارج الحقل على أن تقدم بيانا توضيحيا كل ستة أشهر عن حجم التمويلات والجهات المستفيد منها

–         تستفيد جميع المؤسسات وبطريقة متساوية من التمويلات والإعلانات لمدة سنة كاملة على أن يتم حجب التمويل لاحقا عن جميع المؤسسات التي لم تلتزم بالشروط الواردة في دفاتر التزاماتها ( التساوي في التمويل يأخذ في الاعتبار طبعا تصنيف المؤسسة )

–         تستثني المؤسسات العمومية من الدعم والتمويل المخصص للصحافة الخصوصية ولا تستثني من الإشهار

–         يتم تجميع المؤسسات الصحفية الخاصة التي عجزت عن الوفاء بالتزاماتها في مؤسسة واحدة ويتم دعمها مجددا من خلال قرض لمدة سنة كاملة على أن يتم إعلان إفلاسها وحلها نهائيا في حال تكرر الفشل

–         تلزم الهيئة باكتتاب موظفيها وعمالها من غير المحلفين من العاملين في قطاع الإعلام

–         تتولي الهيئة منح الرخص للمؤسسات الإعلامية ويشترط في ذلك متابعة وتقيم عمل المؤسسة ثلاثة أشهر على الأقل قبل الترخيص النهائي لها

 

 

ملاحظات تتعلق بالتنظيمات الصحفية

 

إن تعدد التنظيمات الصحفية يربك المتعاملين مع المؤسسات ويحد من الانسجام والتقارب بين أبناء المهنة الواحدة كما يعكس من زاوية أخري مستوى انعدام الثقة بين الإعلاميين ويتيح الفرصة للأنظمة في التحكم في ضرب الصحافة ببعضها وشل قدرتها على انتشال نفسها من مأزق التشرذم والضياع الذي تعيش فيه منذ عقود ، لذا فمن الأولي للصحافة أن تعطي الانطباع الحسن بالقدرة على الانسجام والتواصل وقبول كل الأطراف وهو ما يستدعي مراجعة تلك التنظيمات ودمجها في إطار موحد يستوعب الجميع ولا يقصي أحدا يمتلك القدرة الكافية للدفاع عن منتسبيه وذلك بإعلان قطيعة تامة مع التخندق على أساس رواسب ايدولوجية لم يعد لها من وجود أو منافع مادية تختزل فيها كل القيم والمثل رغم ما يتم رفعه من شعارات تفتقر للواقعية في معظمها.

وهنا يجب على الجهات الوصية اتخاذ مسؤولياتها من أجل إلزام الهيئات النقابية باحترام مأمورياتها المحددة من خلال النصوص التنظيمية لها .

 

ملاحظة :

 

إن أي تصور لحل معضل ظل يتراكم على مدى عقود مهما أخذ من وقت وجهد سيظل ناقصا ولا يستطيع أن يحيط بكل الجوانب ومكامن الخلل مع تفضيل السكوت المتعمد عن بعض تلك المظاهر ، لكنه على الأقل يعطى الانطباع بمستوي الاهتمام ومحاولة بذل جهد رغم تواضعه للمساهمة في بلورة تصور شامل تشكل أفكاركم ورؤاكم ومساهماتكم محاوره وترسم معالمه .

الكاتب الصحفي / محمد فــال ولد حرمه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: