الأخبار

نواكشوط : إرتفاع غير مسبوق للقتل والإغتصاب والجريمة المنظمة (تحقيق + أرقام )

الشروق/مع مطلع كل صباح يستيقظ الموريتانيون هذه الأيام على وقع الحديث عن جريمة نكراء ضحيتها نفوس بريئة .. الكل بات يخشى الخروج فقد يكون الضحية التالية ..قتل ، واغتصاب جماعي ، واختطاف منظم ، و سطو مسلح.. وجرائم بالجملة .. الذعر سيد الموقف . اخبار القتلة و المجرمين هي أحاديث الصالونات و جلسات الشاي الخصوصية، …هذه أسرة اغتصبت ابنتها ، وتلك أخرى قتل ابنها ، وهذه سطا مسلحون عليها …. و رغم ذالك مازال الأمن في سباته … الشوارع مخيفة ولم تعد آمنة ..الذهاب للتبضع من دكان الحي قد لاتحمد عقباه ، ركوب سيارات الأجرة انتحار..الكل بات سجين بيته … تلكم هي نواكشوط هذه الأيام عاصمة الظلام والجرائم والخوف ..

“الشروق”أجرت تحقيقا صحفيا شاملا لمعرفة الأسباب الحقيقة لهذه الأعمال الوحشية الإجرامية التي باتت تغض مضاجع الجهات الأمنية و تبث الذعر في نفوس الكل : ما هي أسباب الظاهرة ؟ ما هي العوامل المشتركة بين القاتلين ؟ هل تقف أمام هذه الجرائم جماعات منظمة أم أنها أعمال عفوية لا دخل للجريمة المنظمة بها ؟ و ما هي دوافع المجرمين و ما هو دور الانفلات الأمني في تغذية هذه الأعمال ؟
أرقام مخيفة:
في سابقة من نوعها تجاوزت حالات القتل  في 2016 بدوافع إجرامية العشرين حالة ، كما بلغت حالات الابتزاز و السرقات المسجلة و الاعتداءات المسلحة أكثر من ألف حالة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجديد ، هذا بالإضافة إلى حالات الانتحار و محاولات الانتحار التي تجاوزت العشر حالات في نفس الفترة .
العديد من الأسر أصبح تفكر جديا في ظل هذه الأوضاع القاتمة بالنزوح من العاصمة انواكشوط إلى القرى و المدن الداخلية علهم يجدون أمنا بات الحصول عليه أشبه بالحصول على مستحيلا ؛ أسرة (أهل عبدو) القاطنة في مقاطعة توجنين في حي ( السبخة ) مثلها مثل العديد من الأسر الأخرى التي قابلتهم “الشروق” تستعد لحمل أمتعتها و الانتقال إلى قرية ( معط ملان ) للسبب نفسه ، تقول والدة الأسرة ( العالية ) : إننا نفكر في الانتقال إلى قرية معط ملان ،لان انواكشوط مكان جريمة ، و أنا لدي بنات أخاف عليهن ، و كل يوم يخرجن للمدرسة اشعر بضيق شديد لأنه يمكن أن يختطفوا في أي لحظة ، لقد تم اغتصاب صديقة إحداهن الأسبوع قبل الماضي من طرف شباب يستقلون سيارة حيث اختطفوها من أمام ( بياع كردي ) ليغتصبوها على ( شارع عزيز ) .
مراهقون محرومون:
أكدت التحاليل الإحصائية التي قامت بها “الشروق” ( في دراسة ل32 حالة قتل ) أن نسبة 87.5 في المائة من حوادث القتل في الأشهر الأولى من العام الجديد قام بها أطفال و مراهقون و شباب ولدوا في الفترة بين عام 1990 و 1996 و هو الأمر الذي يعني أن القتلة هم أطفال صغار و مراهقون لم يتلقوا التربية الأسرية و المدرسية المناسبة بما في ذلك الإرشادات المتعلقة بخطورة القتل و السرقة.
كما تعني هذه النسبة الكبيرة أن الأصدقاء لهم دور كبير في المسلكيات الإجرامية ، إذ أن نسبة 92.8 في المائة من الحالات تكون الجريمة بين أصدقاء يقتل فيها احدهم الآخر مما يعني أن اختيار أصدقاء السوء كان هو الغالب على الضحايا.
شباب فقراء:
إن نسبة 99 في المائة من القتلة هم من الفئات التي تعيش تحت خط الفقر ، و هم من سكان الأحياء الشعبية ؛ ما يفسر أن الأمور المالية قد تكون هي الأخرى أحد الأسباب لأغلب الجرائم المرتكبة .
أصحاب سوابق:
الاحصائات التي قامت بها “الشروق” خلصت كذلك أن ما يناهز 95 في المائة من القتلة هم من أصحاب السوابق المعروفين لدى الجهات الأمنية بأعمال إجرامية سابقة .
سيناريوهات متشابهة:
اغلب أعمال القتل المسجلة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجديد متشابهة . و قد أكدت نسبة كبيرة من أعمال القتل المسجلة أن سيناريوهات الجرائم تشبه إلى حد بعيد تلك السيناريوهات التي تعرض في القنوات الفضائية ، و بخاصة سيناريوهات القتل في المسلسلات التركية .
و يقاس على جرائم القتل السابقة كلا من جرائم الاغتصاب التي سجل منها لدى الجهات الأمنية في شهر مارس وحده أكثر من ثلاثين حالة بحسب منظمة ( آدم لحماية الطفل و المجتمع ) و مشروع ( لا للإباحية ) ، و حوادث السرقة و النشل و الابتزاز و التحرش الجنسي التي تجاوزت الألفي حالة .
رأي السياسيين :
ليس غريبا أن يتهم كل من النظام و المعارضة الطرف الآخر بأنه يقف وراء الارتفاع المفاجئ و المخيف في أعمال القتل ، فالمعارضة تقول إن تهور النظام في المجال الاقتصادي و التربوي و الأمني يقف وراء أعمال القتل لأن الجرائم التي تحدث هذه الأيام تتم لأسباب اقتصادية و أمنية و اجتماعية. أما النظام فيقول إن العمليات تقف ورائها منظمات مدفوعة من قبل أطراف معارضة تسعى إلى تهديد الأمن و السلم الاجتماعي و إيهام المواطنين أن النظام وراء الأحداث . كما يتهم النظام القنوات الفضائية المحسوبة على المعارضة أنها تسعى إلى تضخيم الأحداث و ترويج الكثير من الشائعات التي لا أساس لها من الصحة من اجل تخويف المواطنين و دعوتهم إلى الثورة على النظام.
رأي الخبراء الاجتماعيين:
يفرق علماء الاجتماع بين الظاهرة الاجتماعية و المشكلة الاجتماعية ، فالظاهرة تتحول إلى مشكلة عندما تتجاوز نسبة سبعين في المائة أو عندما تكون الأحداث المسجلة صادمة للمجتمع و تبث فيه الذعر و الخوف . و نتيجة للخوف المستولي على سكان انواكشوط ، قابلت ” الشروق الخبير الاجتماعي “ملاي الرشيد ولد احمدو” بهذا الخصوص حيث أكد الخبير أن حالات القتل تحولت إلى مشكلة اجتماعية عميقة في المجتمع الموريتاني لأنها ازدادت باضطراد غير مسبوق ، و لأنها خلقت جوا عاما من الذعر يعيشه سكان العاصمة . و بما أن هذه الأعمال ( يضيف الخبير) أصبحت مشكلة اجتماعية تهدد السلم الاجتماعي ، ومن اللازم أن تكون لها أسباب مختلفة و مترابطة فيما بينها ، و قد بين الخبير في هذا المجال أن الأسباب التي وقفت وراء أعمال الإجرام هذه تتراوح بين الأسباب الاقتصادية و الاجتماعية و التربوية و ضعف الوازع الديني و الغياب الغير مبرر لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في حق المجرمين السابقين و عدم مصاحبة التأهيل للفترات التي يمضيها المحكومين في السجن مما يترتب عليه إقدامهم على أعمال إجرامية أخرى فور خروجهم من السجن .
و يبدو أن رأي خبراء الاجتماع في هذا المجال محقا إذ أن غالبية المجرمين هم من المحرومين ماديا و الفقراء الذين لا يرون أي برق يلوح في أفق مستقبلهم المظلم . كما أن غالبية القتلة لا يذهبون إلى المدارس مما يعني أن التربية الأسرية فشلت في توجيههم و تكييفهم مع الشروط الاجتماعية الصحيحة و المقبولة من طرف المجتمع مما يجعلهم يشعرون بعدم انتمائهم إلى الفئة المقبولة اجتماعيا .
رأي الجهات الأمنية:
ترى مفوضيات الشرطة أن العديد من المجرمين السابقين هم أصحاب الجرائم التي تشهدها نواكشوط المتعلقة بالسرقة أو النشل أو محاولات الاغتصاب ، وهم من مدمني المخدرات و أنهم أعضاء في عصابات توزيع صغيرة لمخدرات مصنوعة محليا. و تدعو المفوضيات في هذا المجال الأهالي و الأفراد إلى التبليغ السريع عن أي حادثة إجرامية أو شخص مشتبه فيه الأمر الذي يسهل معرفة خيوط الجريمة و يساعد في القبض على الجناة .
رأي الفقهاء:
هناك فتور ملاحظ يتعلق بعزوف الدعاة و الفقهاء على التركيز على خطورة هذه الأعمال ، و استبدال خطبهم و مواعظهم بالحديث عن السياسة والقضية الفلسطينية فيما تستدعي الأوضاع الراهنة التركيز على انتشار الجريمة الغير مسبوق . هذا و يعزوا الفقهاء انتشار الأعمال الإجرامية و بخاصة أعمال القتل و الاغتصاب إلى غياب التربية الدينية و فقد الوازع الديني الذي يردع عن إتيان مثل هذا النوع من الأعمال ، فالمجرم هو شخص فقد كل وازع ديني يردعه عن القيام بأعمال تزهق أرواح الأبرياء و تثير الرعب داخل المجتمع .
خلاصة:
يتضح من خلال التحقيق أن الجهات المختلفة المعنية بقضايا الحد من الجريمة المنتشرة في بلادنا تؤكد أن الجريمة باتت هي العبء الأكبر على السلطات و على المواطنين و أن لها أسباب تختلف باختلاف أنواعها و أن مسؤولية تفشيها في مجتمعنا تقع على عاتق الكل سلطات و مربين و اسر و أفراد .

البــو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: