آخر الأخبارافريقيـــاالأخبارموريتانيا

ماكرون يُحمّل ساركوزي مسؤولية الفوضى في ليبيا

الشروق (ليبيا) ـ حمل خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البرلمان التونسي الخميس الماضي موقفا جديدا من الصراع في ليبيا، خالف مسار السياسة التي انتهجتها باريس منذ عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي. وسخر ماكرون من الذين «قرروا وضع حد للقادة الليبيين (في إشارة إلى معمر القذافي) بواسطة التدخل من الخارج وعلى بُعد آلاف الكيلومترات من دون أن يكون لديهم أي مشروع سياسي (بديل)».
وكان هذا أول انتقاد علني لاذع للتدخل العسكري الفرنسي، الذي تم خارج قرارات الأمم المتحدة، وبأمر من ساركوزي (2007-2012) في أعقاب اندلاع الانتفاضة الليبية العام 2011. وأضاف ماكرون في نوع من النقد الذاتي، وهو يقف موقف رئيس الدولة الذي يتحمل وزر أسلافه ويتباين معهم في الآن نفسه «نقلنا ليبيا إلى هذا الوضع من دون حل المشكلة، ولذا فأوروبا والولايات المتحدة لديهما مسؤولية عن الوضع الراهن، حين اعتقدتا أن الإطاحة بالطاغية كافية». واعتبر أن ذلك الموقف أدى إلى مضاعفات سلبية على تونس وجوار ليبيا، مؤكدا أن فرنسا اليوم تسعى للمساهمة في إعادة الاستقرار إلى ليبيا بواسطة دعم مهمة بعثة الأمم المتحدة هناك. وفي هذا الإطار أبرم الفرنسيون اتفاقات جديدة عدة مع الجانب التونسي بمناسبة زيارة ماكرون لتونس، من أجل تطوير التعاون في مكافحة الارهاب، من بينها تحسين تبادل المعلومات (عن الشبكات الارهابية) ومكافحة تمويل الارهاب.

أقليات وتعرجات

أكثر من ذلك شدد ماكرون على ضرورة العمل لتأمين الوحدة والاستقرار على الحدود الليبية. وقال في هذا السياق «هذا ما سنعمل من أجله معا من خلال القوى التي نتقاسم معها المُثل والقيم وخاصة التعددية التي تقوم على احترام الأقليات، وهو ما قمنا به في سوريا وليبيا». وتعكس هذه الرؤية لتعرجات الوضع في ليبيا خلال السنوات السبع الماضية قطيعة ليس فقط مع السياسة التي انتهجها ساركوزي، غداة الحرب التي شنتها طائراته في ليبيا إلى أن قضت على القذافي، وإنما أيضا مع سلفه فرنسوا أولاند، الذي كان يدعم المشير خليفة حفتر في وجه التيارات الأصولية، ووصل الدعم إلى حد مشاركة ضباط ومدربين فرنسيين في إسناد جيش حفتر، مثلما كشفت عن ذلك حادثة سقوط طائرة حربية في بنغازي قضى خلالها ثلاثة ضباط فرنسيين كانوا على متنها. وربما تكون تلك الحادثة لعبت دورا في إقناع ماكرون بالتخلي عن الانحياز لأحد الطرفين المتصارعين، وهو ما حفزه على ترتيب لقاء في قصر الإيليزيه بين الغريمين فائز السراج وخليفة حفتر، في محاولة لتعبيد الطريق أمام حل سياسي توافقي، من دون أن تكون لذلك اللقاء الرمزي آثار مباشرة في حلحلة الأزمة. وذكرت مصادر إعلامية فرنسية لاحقا أن ماكرون اجتمع سرا في الإيليزيه مع حفتر في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، كما كانت للمشير المثير للجدل لقاءات في تلك الفترة مع مسؤولين سياسيين وعسكريين، من ضمنهم وزير الخارجية جان إيف لودريون.

عدو مشترك

ورغم الاحتكاكات والمناكفات بين الإيطاليين من جهة، المؤيدين للجماعات الأصولية في طرابلس ومصراتة، والفرنسيين المناصرين (سابقا) للمشير حفتر من جهة ثانية، اضطر الطرفان للتقارب من أجل مجابهة عدو مشترك متمثل بعناصر تنظيم «الدولة» العائدين من سوريا والعراق، والتي يسعى بعضهم إلى التسلل إلى أوروبا عبر قوارب المهاجرين غير الشرعيين. هكذا هدّأ الفرنسيون من غضب روما، وركزوا على التصدي لمخاطر تدفق المهاجرين غير الشرعيين نحو السواحل الأوروبية، من خلال العمل على واجهتين أولاهما إعادة الكثير من المهاجرين الافريقيين من ليبيا إلى بلدانهم الأصلية، وفي هذا الإطار تم ترحيل 252 مهاجرا إلى بلدهم النيجر يوم 9 يناير/كانون الثاني كي لا يستخدموا الأخيرة معبرا إلى أوروبا. وزارت بعثة افريقية مراكز تجميع للمهاجرين للبحث في ترحيلهم من ليبيا. أما الواجهة الثانية فعسكرية وتتمثل بإرسال قوات إلى المناطق المتاخمة لحدود ليبيا الجنوبية حيث لا توجد دولة ولا جيش لمراقبة تلك الحدود.
واستثمر الايطاليون الفراغ الحالي لكي يعززوا حضورهم الاستراتيجي في المناطق المتاخمة لجنوب ليبيا، إذ أرسل البرلمان الإيطالي مزيدا من القوات (لم يتسنَ تحديد عددها) إلى حدود ليبيا الجنوبية بحجة مراقبة مسارات تهريب المهاجرين غير الشرعيين، ما أثار احتجاجات من الحكومتين المتنافستين في الشرق والغرب. وبرر الإيطاليون تلك الخطوة بالزيادة المسجلة في أعداد المهاجرين غير النظاميين، إذ شهدت الأسابيع الثلاثة الأولى من العام الجاري ارتفاعا بنسبة 15 في المئة في عدد المهاجرين غير الشرعيين الوافدين على إيطاليا من ليبيا. ويلعب الاستعداد للانتخابات العامة المقررة لشهر مارس (آذار) المقبل في إيطاليا، دورا مهما في تكاثر المزايدات بين الأحزاب الايطالية في ملف الهجرة، الذي يتوقع مراقبون أن يكون موضوعا محوريا في الحملة الانتخابية.

تفاهم مع شبكات التهريب

ويخشى مسؤولون إيطاليون من أن استمرار عدم الاستقرار السياسي قد يطيح بالاتفاقات التي توصلت لها السلطات الإيطالية بشكل رسمي أو غير رسمي، مع قادة الميليشيات الذين استطاعوا أن يساهموا في تخفيض أعداد المهاجرين غير الشرعيين خلال العام 2017. ومع ذلك تبدو إيطاليا حريصة على تعزيز حضورها العسكري في منطقة استراتيجية قريبة من جنوب ليبيا، وتفتح من الجنوب على بلدان الساحل والصحراء، الخزان الأكبر للمهاجرين غير الشرعيين، ومن الشمال على ليبيا والضفة الجنوبية للبحر المتوسط. وفي الجهة المقابلة مازالت القوات الفرنسية المتمركزة في شمال مالي في معارك كر وفر مع الجماعات المسلحة، منذ انطلاق عملية «سرفال» قبل خمس سنوات من الآن. وأطلقت فرنسا عملية مماثلة هي «عملية برخان»، التي تشمل خمسة بلدان (موريتانيا وتشاد ومالي والنيجر وبوركينا فاسو) وقوامها أربعة آلاف رجل. كما أن أصحاب الخوذات الزرقاء من قوات الأمم المتحدة (المعروفين باسم «مينوسما)، يحاولون احتواء الخطر الإرهابي، بعدما أخفقوا في القضاء عليه، أو في الأقل مراقبة حركته في تلك المنطقة القصية. ويُعزى عدم الاستقرار في هذه المنطقة إلى صعوبة السيطرة على الحدود وتنوع الصراعات القبلية والعرقية والسياسية، وانتشار شبكات التهريب، التي يساعد أمراؤها في تهريب السلاح إلى الجماعات المتشددة في المنطقة.
على أن الموقف الفرنسي الواضح من الصراع في ليبيا، الذي لا يمكن القول إنه جديد ولكنه بناء، سيشكل عنصر استقرار وقوة دعم للجهود الأممية الرامية لتنفيذ بنود خارطة الطريق. ويمكن القول إن الفرنسيين يبدون الأعلى صوتا في ظل انكفاء الإدارة الأمريكية وانشغالها بقضايا داخلية ودولية أخرى. وهذا يدل على أن باريس تسعى للزعامة على الصعيد الأوروبي، وهي زعامة غير مكتملة، لأنه من دون وجود الثنائي الألماني الفرنسي في مقصورة القيادة لا تستطيع أوروبا أن تُسمِع صوتها أو تفرض هيبتها. ومادامت المستشارة إنغيلا مركل مشغولة بإعادة تركيب التحالفات لتشكيل حكومة ائتلافية ضعيفة لن يكون الموقف الأوروبي بالقوة التي تعوض الغياب الأمريكي، وسينعكس هذا بالطبع على مدى سرعة الحل السياسي في ليبيا.

مقالات ذات صلة

إغلاق