الرئيسية / افريقيـــا / المغرب : من الأمير عبدالكريم الخطابي إلى الزفزافي.. قرن من “سوء الفهم” بين الرباط و”حراك الريف”

المغرب : من الأمير عبدالكريم الخطابي إلى الزفزافي.. قرن من “سوء الفهم” بين الرباط و”حراك الريف”

الشــروق / لا تخلو مسيرة أو مظاهرة من “ حراك الريف ” الذي عاد للظهور مجددًا قبل 7 أشهر بمدينة الحسيمة المغربية ومحيطها، من صور الأمير عبدالكريم الخطابي، وعلم “الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف”، التي استمرت لخمسة أعوام بعد تأسيسها سنة 1921 في إطار مكافحة الاستعمارين الإسباني والفرنسي.

ويستعصي فك شفرات “سوء الفهم الكبير” الذي يتفجر كل مرة بين أبناء المنطقة والسلطة المركزية في الرباط، دون العودة إلى ثوابت ومتغيرات “حراك الريف” الذي يطفو على سطح الأحداث في كل مرة، ارتباطًا بنقطة تفيض كأس هذا الموروث في اختلاف وجهات النظر، منذ عشرينيات القرن الماضي.

وعاد الأمر إلى الواجهة مجددًا في  أكتوبر الماضي، إثر وفاة تاجر السمك محسن فكري، الذي قتل “طحنًا” داخل شاحنة لجمع النفايات، خلال محاولته منع مصادرة أسماكه، وطحنها بأمر من السلطات.

العلم الريفي

أغلب المنتقدين من المغاربة، لما يحدث من احتجاجات منذ 7 أشهر بالحسيمة وعدد من قرى ومدن منطقة الريف، يعتبرونها “مشروعة” نظرًا لسلميتها وارتباطها بمطالب اجتماعية.

لكن في الوقت نفسه ينتقدون غياب العلم الوطني المغربي عن المسيرات والتظاهرات، مقابل حمل العلم الإقليمي الريفي، الذي يعود إلى مرحلة مكافحة الاستعمار التي قادها ونظمها محمد بن عبدالكريم الخطابي (1882- 1963)، من خلال تأسيس بنيات دولة بالريف توفر البنيات التنظيمية، لمكافحة الاستعمار بمنطقة نفوذها، والتعاون مع حركات التحرر بالمغرب ودول الجوار.

وكان والد الخطابي، هو أول من قاد الهجوم على المستعمر الإسباني سنة 1920 بمحاصرة موقع “تفرسيت” الإستراتيجي وهي البلدة التي ينحدر منها وزير الداخلية المغربي الحالي عبدالوافي لفتيت، لكنه توفي بعد 22 يومًا من الحصار، ليتسلم بعده الأمير محمد، مشعل مقاومة المستعمر.

وشرع الخطابي في توحيد قبائل المنطقة من أمازيغ وعرب، ليخوض معركة “أنوال” الحاسمة ضد الجيش الإسباني في مايو 1921، حيث ألحق بالمستعمر هزيمة كبيرة.

وبحكم أن المغرب كان يخضع في تلك الفترة للاستعمار الإسباني، بشماله وجزء من صحرائه، وللاستعمار الفرنسي ببقية مناطق البلاد ما بين 1912 و1956، خطط الخطابي لإعلان قيام “الجمهورية الاتحادية لقبائل الريف” واستقلالها عن “الحماية الإسبانية”، لمواصلة مكافحة الاستعمار بكافة التراب المغربي، وبدول الجوار، بشكل منظم.

لجنة تحرير المغرب العربي

انتصارات الخطابي وجيشه، لم تستمر طويلًا بعد دخول الجيش الفرنسي على الخط، ودعمه من حلفاء أوروبيين، فتم حل “الجمهورية الريفية ” في 27 مايو 1926، بعدما سلم الخطابي نفسه للفرنسيين حقنًا لدماء المغاربة بمنطقة الريف، حيث تعرضوا لهجوم متواصل من قوة فرنسية إسبانية تعدادها 500 ألف مقاتل، استخدموا الأسلحة الكيماوية والغازات عبر القصف الجوي.

وقضى الأمير سنوات بمنفاه الإجباري في جزيرة “لارينيون” الفرنسية، قبل أن يستقر بمصر، حيث أسس “لجنة تحرير المغرب العربي”، سنة 1947.

وكان هدف اللجنة “جمع شمل كافة القوى والأحزاب الوطنية المناضلة في سبيل استقلال المغرب وتونس والجزائر، وإرساء أسس الوحدة الوطنية المغربية التي تنادي بالإسلام والاستقلال التام وترفض أي مساومة مع المستعمر الأجنبي”.

وكانت هذه نقطة خلافه مع القصر الملكي بالمغرب، وحزب الاستقلال وباقي الأحزاب المغربية، حيث لم يقبل الخطابي باستقلال منقوص حين حصل المغرب على استقلاله سنة 1956، إذ ظلت إسبانيا تستعمر “سبتة” و”مليلية” ومناطق شاسعة من الصحراء، وبقيت الحدود غير مرسمة مع الفرنسيين الذين كانوا يستعمرون الجزائر وموريتانيا، وبقي على موقفه إلى أن توفي سنة 1963.

الاستقلال الشكلي

الاستقلال “الشكلي” أو “المنقوص”، ظلت فكرة محورية، ترافق كل من ساند الخطابي ومواقفه، ممن واصلوا الكفاح المسلح ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي، بعد نفيه، وحل جيشه، حيث أعادوا تنظيم أنفسهم في إطار جيش التحرير المغربي، أو التنظيمات الموازية له، أو ممن باشروا العمل السياسي في فترة لاحقة بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956 في ارتباط مع “أمير جهاد الريف”.

واعتبر الخطابي وأتباعه أن التوافق مع المستعمر، أفرز بقاء عملائه من المغاربة في مراكز القرار بالجيش والمخابرات والمؤسسات الاقتصادية، ليصف المرحلة الجديدة التي دخلها المغرب بالاحتلال، أي أنها استمرار للاحتلال باسم الاستقلال.

هذه المواقف السياسية، ستغذيها مشاكل عدم تقبل النخب والمواطنين بالريف لقرارات الإدارة والحكومة المغربية الجديدة عند الاستقلال، حين فرضت اللغة الفرنسية بالمنطقة التي كانت مستعمرة من طرف الإسبان وعينت الحكومة إداريين ومسؤولين من خارج الريف، لا يتحدثون اللهجة المحلية، ولا يوافقون الثقافة والعادات المحلية.

ويضاف إلى ذلك شعور الأهالي بالغبن أمام تغييبهم من جميع المناصب الحكومية والمسؤوليات الإدارية المهمة، وتهميش المنطقة من مشاريع اقتصادية والبنى التحتية، فظهرت احتقانات أواخر العام 1958 ، وتأسست حركة ريفية بزعامة محمد الحاج سلام أمزيان، والذي كان ينسق باستمرار مع الخطابي.

الحركة قامت بصياغة وثيقة تضمنت 18 مطلبًا تم تسليمها للقصر الملكي بالرباط، من أبرزها: “جلاء جميع القوات الأجنبية عن المغرب، وحل الأحزاب وتشكيل حكومة وحدة وطنية، واختيار الموظفين المدنيين من السكان المحليين، وعودة محمد بن عبدالكريم الخطابي إلى المغرب، إلى جانب مطالب اجتماعية”.

وانطلق “حراك الريف” أو “انتفاضة الريف” وقتها يوم 7 أكتوبر 1958 ليتوقف يوم 13 مارس 1959، صعد خلالها المحتجون إلى الجبال، ورفضوا التعامل مع ممثلي الإدارة.

ورغم أن توجيهات قادة الحراك كانت تحث السكان على الاحتجاج السلمي، فقد حدثت عدة احتكاكات ومواجهات، وتم اعتقال العديد من المحتجين.

هؤلاء القادة كانوا يصرون في تواصلهم مع محافظ الإقليم على أن احتجاجاتهم موجهة ضد الحكومة وحزب الاستقلال الحاكم، وليس ضد القصر الملكي، ومع ذلك لجأ ولي العهد آنذاك الملك الراحل الحسن الثاني إلى قيادة الجيش بنفسه، حيث تم قصف المحتجين، وإنهاء احتجاجاتهم بالتدخل العسكري، وهو ما خلف جراحًا عميقة لدى السكان، لم تندمل حتى اليوم.

الجيش يتدخل من جديد

التدخل العنيف العام 1959 سيجعل عددًا كبيرًا من أهل الريف، يهاجرون إلى أوروبا، وبشكل خاص نحو هولندا وألمانيا وبلجيكا في تلك المرحلة، وهو ما يفسر أن العديد من المسؤولين والمنتخبين بهذه الدول من أصول مغربية، هم ريفيون.

وأمام غضب القصر على المنطقة، وغياب الاستثمارات الكبيرة وفرص العمل، أصبح سكان المنطقة الشرقية من الريف، بمدينة “الناضور” وضواحيها يمارسون تجارة السلع المهربة من “مليلية” الواقعة تحت الحكم الإسباني إلى اليوم، رغم أن المغرب يعتبرها مدينة محتلة.

وحين دخلت البلاد في أزمة اقتصادية خانقة سنة 1983 بدأت السلطات المحلية تفرض على السكان دفع مبلغ 10 دولارات في كل مرة سيعبر فيها أحدهم إلى داخل مليلية لجلب السلع، بينما ارتكز النشاط الأساسي المدر للدخل لسكان الريف بالمنطقة الغربية بالحسيمة وضواحيها على الصيد البحري، وزراعة القنب الهندي.

لكن غلاء المواد الغدائية وفرض رسوم على تسجيل التلاميذ بالمدارس، سيجعل العديد منهم بمدن الريف وتطوان والقصر الكبير ومراكش ووجدة، يخرجون في مظاهرات، سرعان ما التحق بهم عامة المواطنين يوم 19 يناير 1984، ليعود الجيش للتدخل من جديد بمنطقة الريف، حيث تم استخدام الرصاص الحي، وسقط قتلى في صفوف المتظاهرين، حصرت الحكومة عددهم بـ16، في حين يرجح المحتجون أن عدد الضحايا كان أكبر.

وبالموازاة قامت السلطات بحملة توقيفات واسعة، واتهم العديد من المحتجين قوات الأمن باحتجازهم وتعذيبهم خارج القانون، وتم فرض حظر للتجوال على المواطنين، استمر لغاية 2 فبراير من نفس السنة، حيث خفت حدته حتى رفعه تدريجيا عن المنطقة.

خطاب الحسن الثاني

جراح سكان الريف، التي ظلت طوال تاريخ المغرب المستقل، تسجل أكبر نسبة على مستوى مقاطعة الانتخابات البرلمانية، لم تتوقف عند تعنيفها من جديد، بل ارتبطت كذلك بمضامين خطاب للملك الراحل الحسن الثاني يوم 22 يناير 1984، وصفهم فيه بعبارات مهينة من مثل “الأوباش والمهربين والفوضويين”.

وكشفت السلطات المغربية رسميًا عن “مقبرة جماعية” بثكنة الدفاع المدني في “الناظور” يوم 28 أبريل 2008، استخرجت منها 16 جثة، قالت إنها تعود لضحايا أحداث 1984، في إطار التوصيات التي أفرزتها هيئة الإنصاف والمصالحة الحكومية التي أنهت أعمالها سنة 2005.

زيارة محمد السادس

ورغم الجراحات الغائرة التي ربطت سكان الريف بردود فعل الحسن الثاني تجاههم، بسبب “سوء الفهم الكبير” من وجهة نظرهم، حيث يعتبرون أنهم لم يتآمروا قط ضد عرشه، فإن مبادرة الملك محمد السادس  لزيارة الحسيمة شهورًا قليلة بعد توليه الملك، جعلت الريفيين يطوون صفحة ويفتحون أخرى جديدة.

وحين دخل العاهل المغربي المدينة سنة 2000 وجد أهلها كتبوا على لافتة “الرسالة وصلتْ: فأهل الريف يريدون إغلاق قوس وفتح آخر، وهم يُقدرون عاليًا من يقدرهم، بل ويجعلونه تاجاً على رؤوسهم، فهم لم يخونوا عهدًا سابقًا لا زال يطوق رقابهم”. وتكررت الزيارات الملكية للمنطقة بعد ذلك.

ورغم إطلاق الملك لعدد من المشاريع التنموية بالمنطقة، فإن سوء تدبير السلطات المحلية وتأخر إنجاز عدد من المشاريع، دفع بأبناء المنطقة إلى الاحتجاج في أكثر من مناسبة، ابتداء من مرحلة ما بعد زلزال 2004 الذي ضرب مدينة الحسيمة، ووصولًا إلى المظاهرات التي ارتبطت بما سمي بالربيع العربي سنة 2011، حيث انبثقت بالمغرب كله حركة “20 فبراير”.

لكن المظاهرات بالحسيمة ارتبطت لوحدها بحادث مأساوي، حيث مات خمسة شبان حرقًا بداخل فرع مصرفي، في ظروف غامضة، وهو ما جعل قادة “حراك الريف” القائم حاليًا يطالبون إلى جانب الكشف عن حقيقة المتسببين في وفاة بائع السمك محسن فكري، بفتح تحقيق نزيه في مقتل الشباب الخمسة ومعرفة الحقيقة.

الدكاكين السياسية

والذي ميز الحراك القائم منذ سبعة أشهر، هو فرزه لقائد أصبح جميع المتظاهرين يهتفون باسمه، قبل وبعد توقيفه من طرف السلطات، بحكم تصريحه منذ أسابيع أنه تعرض لتهديدات بالقتل من طرف مجهولين.

وأصبح الشاب ناصر الزفزافي، لأول مرة منذ سنة 1958 يرتبط “حراك الريف” باسمه كزعيم، بعدما كانت جميع الاحتجاجات التي تلت الحركة التي تزعمها محمد الحاج سلام أمزيان، لا ترتبط بقائد محدد.

ومن جديد يرتكز خطاب الزفزافي على نزع أي اعتبار للأحزاب السياسية، واصفًا إياها بـ”الدكاكين السياسية”، وأوضح موقفه بخصوص فتح أي حوار للتفاوض حول تحقيق مطالب بالحراك، حين اعتبر أن الحكومة غير مؤهلة لذلك، لافتقادها السلطة.

وطالب الزفزافي الملك محمد السادس بانتداب من يحاور المحتجين بالريف للبحث معهم عن سبل تحقيق مطالبهم، التي ظلت في معظمها مطالب اجتماعية، تنموية، باستثناء الحديث عن رفع “العسكرة”، والذي يرتبط في أذهان السكان بأحداث سنتي 1958 و 1959.

شاهد أيضاً

نفي اعتقال السناتور محمد ولد غده

الشــروق (نواكشوط ) – نفت مصادر متطابقة ما تردد من أنباء ظهر اليوم عن اعتقال …